مع تباشير صباح هذا اليوم، الاثنين الموافق الأول من شهر يونيو لعام 2026م، يدخل قانون المعاملات المدنية الجديد الصادر بالمرسوم بقانون اتحادي رقم (25) لسنة 2025 حيز التنفيذ. ولا نغالي إذا قلنا إن الإعلان عن صدور قانون مدني جديد أو بدء العمل به ليس خبراً عادياً، ولا هو إعلان عن تبديل رقم تشريع برقم آخر أو تاريخ بتاريخ أو بعض المصطلحات القديمة بأخرى تحمل ذات المضمون، ولكنها أكثر حداثة وشيوعاً بين الناس. بل هو في الحقيقة لحظة مراجعة. أو بالأحرى لحظة سؤال وتأمل معاً: أي نوع من العلاقات المدنية يريد هذا القانون أن نبنيه في السنوات القادمة؟
والحقيقة أن القوانين المدنية ليست مجرد نصوص تنظّم البيع والإيجار والضمان والتعويض. هذه هي الصورة التقليدية والقريبة فقط. لكن وفي العمق، تكشف هذه القوانين وتعبّر عن الكيفية التي ترى بها الدولة الإنسان، والمجتمع، والاقتصاد، والمال، والعقد، وأنواع المسؤولية وحدودها وآثارها، وما الذي تُعدّه عدلاً في حياتنا اليومية، وليس في قاعات المحاكم وحدها.
وفي هذا المقام، تنبغي الإشارة إلى أن إعداد قانون المعاملات المدنية الجديد قد استغرق بضعة أعوام، من خلال لجان تشكّلت في إطار وبقيادة الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وقد استعانت في إعداده ومراجعة مواده بالجهات القضائية الاتحادية والمحلية في الدولة، وبالمستشارين والخبراء والأكاديميين في الجهات المعنية والمختصة. وأهمية ذلك - في تقديري - أن القانون المدني لا تصنعه القاعدة النظرية وحدها، مهما بلغت دقتها. فلا بدّ أن يسمع النص صوت العدالة الذي تنطق به المحاكم في أحكامها، وأن يمر على يد مَن يعرف أثر العبارة في الحكم، وأن يقترب من السوق والعقد والضمان والخطأ، وما تثيره هذه الموضوعات من مشكلات يكشف عنها التطور المتسارع في عالمنا المعاصر مما يعلمه المشتغلون بالقانون على اختلاف أطيافهم.
ويكشف استقراء نصوص هذا الوليد الجديد، إدراكاً بأنه يتحرك في بيئة ديناميكية. وهو مع ذلك لا يعلن قطيعة مع الأساس الذي قام عليه التقنين المدني الإماراتي السابق، ولا يتعامل مع المرجعية الفقهية التي كان يتضمنها ذلك القانون كعبء يريد التخلص منه. لكنه، في الوقت نفسه، لا يظل أسيراً لصيغة قديمة في التعامل معها. وهذه نقطة دقيقة، وها هي المادة (1) من القانون الجديد تنصّ على أنه إذا لم تجد المحكمة نصاً في التشريعات السارية حكمت بمقتضى الشريعة الإسلامية، على أن تختار أنسب الحلول حسبما تقتضيه المصلحة، ثم تنتقل عند عدم وجود حكم للمسألة المعروضة إلى العُرف بشروطه، ثم إلى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة.
وفي حين أن القانون السابق كان متضمناً لترتيب مذهبي أكثر تحديداً عند غياب النص، فإن الصياغة الجديدة تميل إلى مساحة أوسع في الاختيار، مساحة يحكمها معيار الملاءمة والمصلحة، لا مجرد الوقوف عند ترتيب مسبق يقيد المحكمة. وهذه صياغة تحتاج إلى قراءة منضبطة ومتأنية، فهي لا تمنح رخصة مفتوحة، ولا تفتح الباب لانتقاء عشوائي. هي، في وجهها العملي، محاولة لمنح القاضي تحت رقابة المحكمة الاتحادية العليا أو محاكم النقض والتمييز بحسب الأحوال مجالاً أوسع ومساحة أرحب للبحث عن الحكم الأنسب للمعاملة أو المسألة المعروضة عليه، مع بقاء الضوابط العامة التي تمنع تحويل هذه المرونة إلى اضطراب.
ولعل من أهم هذه الضوابط أنه وحيث يوجد النص الحاكم، يطبّق النص ولا مجال للجوء إلى أي مصدر آخر لاستنباط حكم القانون. هذه قاعدة لا يمكن تجاوزها، ولا سيما إذا كانت عبارات النص واضحة وصريحة وكاشفة عن بيان المقصود منها. أما حيث يحتاج النص إلى تفسير أو حيث تحتمل عبارته أكثر من وجه، أو حيث تظهر في التطبيق مسائل لم تكن واضحة عند الصياغة. عندئذ تكون قواعد الفهم والتأويل طريقاً إلى إنزال النص على الواقعة، لا طريقاً للالتفاف عليه.
وتجدر الإشارة إلى أنه وحين ينحاز المُشرِّع أو يتخير رأياً معيناً لما يرى فيه من مصلحة للناس ولو كان مرجوحاً - آخذاً في الاعتبار الآراء القانونية أو الفقهية التي قيلت بشأنه - فإنه يتعين أن ينظر هنا إلى المصلحة كسبب عملي من أسباب التقنين. فحين تختار السلطة التشريعية المختصة حكماً أو اتجاهاً من بين بدائل متعددة، فهي تفعل ذلك حتى تجعل الطريق أوضح أمام الناس قبل النزاع. وعلى الرغم من أن هذه مسألة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها حاسمة ولها أهميتها البالغة في المعاملات المدنية.
والذي يبدو لنا أن القانون الجديد أقرب إلى تحديث هادئ ورزين للقانون السابق. وموطن تميزه - في اعتقادي - أنه يحاول نقل القانون المدني للتعامل مع بيئة قانونية أكثر حداثة وتعقيداً، مع الإبقاء على صلته بالمصادر التي تشكلت منها بنيته ولبنته الأولى، وهو أمر في غاية الصعوبة ويحتاج إلى قدرة على معرفة ما يجب أن يبقى وما يتعين أن يتغير.
وهنا تظهر أهمية الحديث عن الحداثة التشريعية التي تغيّاها القانون الجديد بمعناها العملي. فالحداثة لا تعني أن يكثر النص من الألفاظ الجديدة. ولا تعني معالجة كل ظاهرة بقاعدة مفصلة. التشريع الذي يفعل ذلك قد يبدو مبُشِّراً في بدايته، ثم لا يصمد أمام الواقع وتحدياته المتغيرة. الحداثة هنا هي أن يضع القانون منهجاً وأن يرسم طريقاً قادراً على استيعاب صور لم تظهر بعد، وذلك بأن يمنح اليقين القانوني حيث يلزم اليقين، وأن يترك مساحة للحركة حيث تكون الحركة ضرورة. وأحسب أن هذا القانون قد أُعد لهذا الغرض.
وحين نقرأ قانون المعاملات المدنية الجديد، لا ينبغي أن ننشغل فقط بسؤال: ما هي المواد التي تغيرت؟ هذا سؤال لازم بطبيعة الحال، لكنه لا يكفي. السؤال الأهم: ما هي الفلسفة التي تغيرت؟ ويبدو لي أن هناك رغبة في جعل النص المدني أقرب إلى حركة الناس والسوق، وأكثر قدرة على التعامل مع العقود الحديثة، وأقل انغلاقاً داخل الصياغات التي وُلدت في زمن مختلف. هذا، في ذاته، انتقال تشريعي معتبر.
والحقيقة أن قيمة هذا القانون لا تكمن فقط في نصوصه. بل تكمن في الاتجاه والأفكار التي يكشفها، ويتعذر أن يشار إليها على عَجل، ولكنها اتجاهات وأفكار تريد للقانون المدني أن يكون أكثر استعداداً للمستقبل، من غير أن يفقد ذاكرته وأصوله القانونية. يريد تحديثاً لا يكتفي بتجميل لغة النص وتحديث مصطلحاته.
ولهذا، فإن قانون المعاملات المدنية الجديد يبدو خطوة مهمة في بناء مرحلة تشريعية أكثر نضجاً وحداثة. مرحلة تعرف أن المجتمع والاقتصاد يحتاجان إلى قواعد واضحة، وأن العدالة تحتاج إلى نَصٍّ يمكن تطبيقه، وتدرك أن المستقبل ينتظر قانوناً يفتح الطريق لاستيعاب مستجداته.
المستشار الدكتور/ أشرف أحمد عبدالمنعم