اليسار الليبرالي في الغرب وأميركا تحديداً بات ظاهرةً لا تخطئها العين، يتحدث عنه الكتاب والباحثون والسياسيون في عرض العالم وطوله، وهو متمكنٌ هناك ومسيطرٌ في مجالاتٍ بالغة الأهمية، إنْ في الجامعات أو الأكاديميات، وإنْ في الفنون أو في هوليوود، وهو يأخذ مكانةً عُليا في الحزب الديمقراطي في مرحلته الراهنة.
«ولي نصر» كاتبٌ أميركي من أصلٍ إيرانيٍ، وباحثٌ وأكاديميٌ يحمل اسماً مرموقاً في الأوساط الأكاديمية والسياسية الأميركية، وهو مؤلفٌ معروفٌ ويُكثر من الكتابة عن منطقة الشرق الأوسط وأميركا، كما عن الإسلام، سواء عن «صناعة التجديد في الإسلام» و«المودودي»، أم عن إيران والشيعة في كتابه الشهير «صحوة الشيعة» وبعنوان فرعيٍ «الصراعات داخل الإسلام وكيف سترسم مستقبل الشرق الأوسط». داخل أميركا هو ينتمي لتيار «اليسار الليبرالي»، وهو التيار الأكثر خطورةً على منطقتنا، وعبّرت عنه بجلاء سياسية الرئيسين السابقين، باراك أوباما وجو بايدن، وهو التيار الذي صنع أسوأ اتفاقٍ شهده التاريخ وهو «الاتفاق النووي» مع إيران، بحسب تعبير ترامب، وهو الذي رعى ودعم ما كان يعرف بـ«الربيع العربي» في عام 2011، والذي حمى «ميليشيات الحوثي» التابعة لإيران من قوة «التحالف العربي» الذي كاد يقضي عليها عسكرياً، فأنقذها بـ «اتفاق ستوكهولم». لقد سمح في «الاتفاق النووي» لإيران بفرصة أن تمتلك السلاح النووي خلال سنواتٍ معدودةٍ، وسمح لها بنشر الميليشيات المسلحة في دول المنطقة، وسمح لها بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية في أسوأ مرحلةٍ تباعدت فيها أميركا عن الدول العربية جميعاً، سواء كانت خليجيةً أم لا، وقد كان الأستاذ «ولي نصر» مستشاراً في مرحلة أوباما. ما بعد حرب الاثني عشر يوماً الأميركية الإسرائيلية ضد إيران وما بعد الحرب الحالية كذلك، بدا أن هناك تحوّلاً كبيراً في طروحات العديد من الباحثين الأميركيين من أصل إيراني، بحيث بات بعضهم من أمثال «ولي نصر» يستخدمون كل ذخيرتهم الأكاديمية والثقافية والسياسية في رفض هذه الحرب والدفاع من طرفٍ خفيٍّ عن النظام الإيراني ومهاجمة كل السياسيات الأميركية الحالية، وتبدو بعض الطروحات وكأنها إيحاءاتٌ «يساريةٌ ليبراليةٌ» للنظام الإيراني في كيفية مواجهة هذه الحرب. «مستقبل المنطقة» كما طرحه ولي نصر في كتابه «صحوة الشيعة» يقول بأن «الحرب إياها -ما قبل 2007- رسمت خطاً فاصلاً وإنْ بطريقةٍ مختلفةٍ ما بين شرقٍ أوسطٍ قديمٍ وآخر جديدٍ. الشرق الأوسط القديم يعيش تحت هيمنة مكوّنه العربي، ويتوجه بأبصاره نحو القاهرة وبغداد ودمشق - الحواضر الغابرة للخلفاء السنة - باعتبارها (مدن السلطة) فيه.
كما أن مشاكل المنطقة ومطامحها وهويتها وصورتها لنفسها كانت في المقام الأول، وإن لم تكن حصراً، مشاكل ومطامح وهوية وصورة العرب، وقل الشيء نفسه عن القيم السياسية الغالبة في الشرق الأوسط القديم، إنها عصارة عقودٍ وعقودٍ من القومية العربية».
مع الاعتذار عن طول النقل هنا، إلا أنه ضروريٌ جداً لإيضاح الصورة، فثمّة شرق أوسط قديمٍ، «آخذ في الزوال» بحسب نصر، ثم يُكمل تصوّره لمستقبل المنطقة معتبراً أن الشرق الأوسط الجديد، الذي يولد حالياً ولادةً متشنِّجةً... فإن ثمة هوية جديدة تحدّده بروابط ثقافية وعلاقات دينية وتحالفات سياسية وصلات تجارية عابرة للفوارق ما بين العرب وغير العرب. أخيراً، فمثل هذا المنطق في التراث العربي كان يسمّى بـ «الشعوبية» وما يعبّر عنه ولي نصر هنا وعبر مراحل تاريخية متطاولةٍ، إنما يعبّر عن «الشعوبية الجديدة» التي تحتاج مزيد رصدٍ ودراسة.
*كاتب سعودي
عبدالله بن بجاد العتيبي*