عندما نتأمل تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، وما حباها الله به من نعمة التنوع، نجد أن لكل إمارة بصمتها الخاصة التي تثري نموذج الاتحاد وتمنحه تنوعه وقوته. ومن بين الإمارات تبرز الفجيرة بموقعها الفريد على بحر العرب وخليج عُمان، خارج مضيق هرمز، لتشكّل إحدى أهم الركائز الاستراتيجية في منظومة أمن الطاقة والتجارة العالمية. وقد ارتبطت نهضة الفجيرة الحديثة بقيادة صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الفجيرة، الذي قاد الإمارة منذ عام 1974 في مسيرة تنموية متواصلة، شملت تطوير البنية التحتية، وتعزيز قطاعات التعليم والصحة والثقافة وعلى رأسها جامعة الفجيرة، والاقتصاد والاستثمار. كما عُرف سموه بقربه من المواطنين وإيمانه بأن التنمية الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان وترسيخ الهوية الوطنية، بالتوازي مع دعمه الدائم لمسيرة الاتحاد وترسيخ مكتسباته.
وفي إطار الرؤية الاستراتيجية لدولة الإمارات، برزت الفجيرة بوصفها نموذجاً متقدماً في توظيف الجغرافيا لخدمة الاقتصاد الوطني والأمن الإقليمي. فالعالم اليوم لا يقيس قوة الدول بحجم مواردها فقط، بل بقدرتها على ضمان وصول تلك الموارد إلى الأسواق الدولية بصورة آمنة ومستقرة. ومن هذا المنطلق اكتسبت الفجيرة أهميةً استثنائية باعتبارها المنفذ الإماراتي المطل مباشرةً على بحر العرب والمحيط الهندي بعيداً عن أي تعقيدات قد تواجه الملاحة في مضيق هرمز.
وقد أدركت دولة الإمارات مبكراً أهمية تنويع مسارات تصدير النفط وتعزيز أمن الإمدادات، فأنشأت خط أنابيب حبشان - الفجيرة الذي دخل الخدمة عام 2012، لينقل النفط الخام مباشرةً من حقول أبوظبي إلى الساحل الشرقي للدولة بطول يزيد على 400 كيلومتر، وبطاقة نقل تصل إلى نحو 1.8 مليون برميل يومياً. كما تمضي الدولة في تعزيز قدراتها التصديرية من خلال توسعة وتطوير مشاريع إضافية تستهدف رفع الطاقة التصديرية لميناء الفجيرة كي تصل إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً خلال السنوات المقبلة.ولم يقتصر دور الفجيرة على كونها منفذاً بديلاً لتصدير النفط، بل تحولت إلى مركز عالمي متكامل للطاقة والخدمات البحرية. فهي تضم مرافق ضخمة لتخزين النفط ومنشآت متطورة لتزويد السفن بالوقود وخدمات لوجستية متقدمة، ما جعلها إحدى أهم محطات تجارة الطاقة في العالم. كما عززت الدولة هذا الدور من خلال مشروعات التخزين الاستراتيجي، ومنها مرافق التخزين الجوفية العملاقة التي تمنح الإمارات مرونةً كبيرة في التعامل مع تقلبات الأسواق العالمية.
وفي الوقت الذي تلجأ فيه بعض القوى الإقليمية إلى توظيف الجغرافيا كأداة ضغط سياسي أو التلويح بتهديد الممرات البحرية، تقدم الإماراتُ نموذجاً مختلفاً يقوم على الاستقرار والانفتاح وتأمين التدفقات التجارية، بما يخدم الاقتصاد العالمي. ومن هنا أصبحت الفجيرة أكثر من مجرد ميناء أو مدينة ساحلية، فهي ركيزة من ركائز السيادة الاقتصادية الإماراتية وعامل مهم في استقرار أسواق الطاقة الدولية.
إن الفجيرة تجسّد رؤية إماراتية بعيدة المدى، حول كيفية تحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر قوة واستقرار. ولذا لم تعُد مجرد إمارة على الساحل الشرقي، بل أصبحت رسالة إماراتية استراتيجية، تؤكد أن حُسن إدارة الجغرافيا والتخطيط الاستباقي قادران على صناعة مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للدولة والمنطقة.
ومع استمرار دولة الإمارات في تنفيذ رؤيتها المستقبلية الهادفة إلى تعزيز مكانتها، مركزاً عالمياً للطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية، تزداد أهمية الفجيرة بوصفها نقطة ارتكاز رئيسة في منظومة أمن الطاقة الوطنية، حيث يعمل الموقع الجغرافي لخدمة المصالح الوطنية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي العالمي في العقود المقبلة.

*سفير سابق