يُستقبل كل اتفاق جديد لوقف إطلاق النار في لبنان بتفاؤل غامض، وكأنه يُبشر بنهاية الصراع، لكنه في حقيقته مجرد تذكرة دخول إلى حرب أخرى.
وهكذا كان الأمر في صباح 16 أبريل الماضي، عندما أُعلن عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار في لبنان، حيث ساد الأمل في الوصول إلى سلام دائم، وفي أن يعود أبنائي إلى ديارهم يوماً ما. لكن تجربة اللبنانيين الطويلة مع الحروب والهدن المؤقتة تجعل من الصعب تجاهل حقيقة مؤلمة: غالباً ما تتحوّل اتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان من وعود بالسلام إلى مجرد استراحة قصيرة تسبق جولةً جديدة من القتال. 
ومنذ استقلاله في عام 1943، كان لبنان طرفاً في سبع اتفاقيات لوقف إطلاق النار على الأقل، بوساطة دولية. وقد عاصرنا عدة صراعات مسلحة، مثل الحرب الأهلية (1975 - 1990)، وجولات القتال بين إسرائيل و«حزب الله» في أعوام 1993 و1996 و2006 و2024. هذه الحروب، التي تخللتها أزمات سياسية ومالية داخلية، ألحقت أضراراً جسدية ونفسية جسيمة بالشعب اللبناني، وأدت إلى موجات نزوح وهجرة.
واستمرت اتفاقيات وقف إطلاق النار أياماً وشهوراً، وسنوات أحياناً. ولكن دائماً نجد أنفسَنا في حالة حرب من جديد.
ولا يُعد وقف إطلاق النار في لبنان حرباً ولا سلاماً، فهو اتفاق موقع على ورق دون تنفيذ فعلي، ويغطي مناطق محددة. وغالباً ما يكون الطرف الموقع ليس هو الطرف الذي أشعل فتيل العنف. وتلتزم الدولة بالاتفاقيات نيابةً عن طرف لا تستطيع إجباره أو السيطرة عليه.  
ويُعد اتفاق أبريل الماضي مثالاً واضحاً على ذلك. فقد أطلق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل انتقاماً لاغتيالها خامنئي خلال الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران. وردت إسرائيل بكل قوتها، فقصفت بيروت، وسوت عدة قرى في جنوب لبنان بالأرض ثم احتلتها، وقتلت مئات اللبنانيين. لكن الجمهورية اللبنانية هي التي وقّعت على وقف إطلاق النار بوساطة الجانب الأميركي، الذي طالب لبنان بمنع «حزب الله» من مهاجمة إسرائيل.  
وكان قد تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، وقد نص أيضاً على وقف إسرائيل هجماتها ضد الأراضي اللبنانية، واحتفاظ الجيش اللبناني بالسيطرة الكاملة على الأسلحة داخل البلاد. واستمرت الهدنة 15 شهراً، وثّقت خلالها الأمم المتحدة أكثر من 7500 انتهاك إسرائيلي للمجال الجوي اللبناني، ونحو 2500 انتهاك بري، ومقتل 197 مدنياً. 
وعندما أُعلن عن أحدث اتفاق لوقف إطلاق النار، كان الاعتقاد بأن الأمور ستكون مختلفة. فالحكومة اللبنانية، التي طالما كانت «شاهداً» في وقفات إطلاق النار السابقة، بدأت أخيراً بالتحرك نيابةً عن نفسها، كما تحدثت علناً عن السلام، وكان أحد المحرمات إلى وقت قريب.
 وفي صباح 16 أبريل، ولد أمل جديد بالعيش أخيراً في ظل دولة لبنانية ذات سيادة،.  
لكن القتال استؤنف بعد أيام قليلة، حيث قُتل مزيد من الأشخاص جراء الغارات الإسرائيلية، كما استمر تدمير القرى اللبنانية بلا توقف، مع دوي الطائرات المسيّرة فوق بيروت بلا انقطاع. وفقدَ وقفُ إطلاق النار معناه مرةً أخرى.  
 نحن اللبنانيون بارعون في التمسك بالأمل، لكننا بارعون أيضاً في الإنكار. فنحن لا نتخلى عن مسؤولياتنا عندما يغادر أبناؤنا البلاد، لأننا نظل نأمل في عودتهم، بغض النظر عن استمرار العنف والاضطراب خلال السنوات الأخيرة.
أتمنى أن يكون الوضع مختلفاً. بعد أن عشت حياتي كلها في ظل الحرب، أتردد في تصديق إمكانية حدوث التغيير، لكنني بحاجة إليه. إن وقف إطلاق النار في لبنان، والذي ينهي الحاجة إلى وقف إطلاق نار مستقبلي، يجب أن يتحقق على مستويين: سيتعين علينا توقيع معاهدة سلام مع جيراننا، وأخرى مع أنفسنا. كما سيتعين علينا الاتفاق على أن الوطن أكبر من أيٍّ منا: وأننا أوصياء عليه، لا مالكوه.
ولا يمكن للشعب اللبناني أن يعفي نفسَه من المسؤولية عن فشل اتفاقات وقف إطلاق النار. فقد جعلت سنوات من الصراع كل فئة تتمسك برؤيتها الخاصة للوطن، فيما تجاهلنا أن انقساماتنا الداخلية كانت سبباً رئيسياً في إضعاف الدولة، شأنها شأن الضغوط الخارجية. ومع كل انتكاسة جديدة، واصلنا التأقلمَ مع التدهور والتغيير السلبي كأنه قدر محتوم، حتى أثقلت الصدماتُ والانقساماتُ كاهلَنا.
وبالطبع، أرغب في واقع مختلف، فبعد حياة كاملة عشتها والحرب دائماً في الخلفية، يصعب تصديق أن التغيير ممكن. لكن هناك حاجة إلى الإيمان بذلك. فوقف إطلاق النار في لبنان الذي ينهي الحاجة إلى اتفاقات وقف إطلاق نار مستقبلية يجب أن يتحقق على مستويين. وينبغي التوقيع على معاهدة سلام مع جيراننا، إلى جانب التوقيع على معاهدة سلام أخرى مع أنفسنا. وينبغي الاتفاق على أن الوطن أكبر من الجميع، وأننا مؤتمنون على حمايته، ولسنا مالكين له بشكل شخصي.

*كاتبة لبنانية ومؤلفة رواية «طيور في المطر» التي تدور أحداثها خلال حرب 2006 .
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»