يُقال إن المنتصرين هم الذين يكتبون التاريخ، لكن الوثائق كثيراً ما تروي قصة مختلفة. فالتاريخ الذي تصنعه الذاكرة الشفوية أو تكتبه الانطباعات قد يتغير بتغير الأزمنة والظروف، أما الوثيقة فتبقى شاهداً صامتاً لا يُنسى ولا يُجامل، يحتفظ بالتفاصيل كما وقعت، ويُعيد تقديمها للأجيال مهما طال الزمن.
ولعل هذه الحقيقة هي التي دفعت المؤرخين إلى منح الوثيقة مكانة استثنائية بين مصادر المعرفة التاريخية. فبينما يمكن للروايات أن تتبدّل، وللصور الذهنية أن تتغيّر، تبقى الوثائق قادرة على إعادة بناء المشهد كما كان، بأحداثه ووقائعه وأقواله ومواقفه. ولهذا لا تُعد الوثيقة مجرد مصدر للمعلومات، بل هي في جوهرها أداة للمساءلة التاريخية، ووسيلة لفهم الماضي بعيداً عن الانتقائية أو التحيز.
وقد لفت المؤرخ الفرنسي بيير نورا الانتباه إلى أن المجتمعات الحديثة تشهد تصاعداً غير مسبوق في الاهتمام بالذاكرة ومؤسساتها، لأن الذاكرة ليست مجرد استحضار للماضي، بل وسيلة لفهم الذات وتعريف الهوية الجماعية. ومن هنا جاء الاهتمام المتزايد بالأرشيفات والمتاحف والوثائق والتراث، بوصفها أوعية تحفظ ما جرى بالفعل، لا ما نودُّ أن نتذكره فقط.
ومن أكثر ما تكشفه الوثائق إثارةً للتأمل أنها كثيراً ما تخرج إلى العلن بعد عقود طويلة من كتابتها، حاملةً معها تفاصيل لم يكن أصحابها يتوقّعون أن يطّلع عليها أحد. فكم من رسالة كُتبت على أنها سرية، أو مراسلة ظنّ أصحابها أنها ستبقى حبيسة الأدراج، أو موقف سُجل في وثيقة اعتقد كاتبه أنه لن يتجاوز حدود زمانه ومكانه، ثم جاءت الأجيال اللاحقة لتقرأه وتدرسه وتحاكمه في ضوء ما كشفته الوثائق من حقائق. ولهذا لا يرحم التاريخ أحداً، لأنه يستند في النهاية إلى الشواهد، لا إلى الأمنيات، وإلى الوثائق، لا إلى الادعاءات.
ومن يتأمل ما تكشفه الأرشيفات العالمية يدرك أن الوثائق لا تحفظ لحظات المجد وحدها، بل تحفظ كذلك لحظات التردد والضعف وسوء التقدير، وتكشف أحياناً الفجوة بين ما كان يقال علناً وما كان يكتب سراً. وهي بذلك تؤدي دوراً بالغ الأهمية في تصحيح السرديات التاريخية وإعادة قراءة الأحداث والشخصيات في ضوء الأدلة الموثقة، لا في ضوء الصورة التي حاول أصحابها رسمها لأنفسهم.
ومن هنا تبرز أهمية الأرشيفات الوطنية بوصفها مؤسّسات تضطلع بمهمة تتجاوز الحفظ والتصنيف، لتصبح حارسة للذاكرة الوطنية ومرجعاً للأجيال في فهم تاريخها. فهي تجمع الوثائق وتحفظها وتتيحها وفق أسس علمية ومهنية تضمن بقاءها شاهدة على مسيرة الأوطان وتحولاتها، وتوفر للباحثين والمجتمع مصادر موثوقة لفهم الماضي واستيعاب دروسه.
والأرشيفات الوطنية من بين أهم المؤسسات التي تتصدى لمهمة حفظ الذاكرة التاريخية للشعوب، من خلال جمع الوثائق والسجلات الرسمية وحفظها وتنظيمها وإتاحتها للأجيال المتعاقبة، وهي مهمة تدخل في صميم بناء الهوية الوطنية وتعزيز مقومات الدولة الحديثة، من خلال صون الإرث التاريخي والثقافي وتوفير الأدلة الموثوقة التي توثّق مسيرة الوطن وإنجازاته. ويتكامل دور الأرشيف الوطني مع دور عدد كبير من المؤسسات الأخرى، لكن حفظ الذاكرة الوطنية يظلّ هدفه الأكبر، وغايته التي يعمل على إنجازها على امتداد العقود والقرون. ويقدّم الأرشيف والمكتبة الوطنية، من خلال دوره المشهود في دولة الإمارات العربية المتحدة، أحد النماذج الناجحة في أداء هذه المهمة الجليلة قبل إنشائه على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، عام 1968، وفي لحظة مبكّرة تسبق قيام دولة الإمارات، وتعكس بصيرة الوالد المؤسِّس الذي منحه مرتبة متقدمة على قائمة أولوياته في بناء الدولة القوية المزدهرة.
وعندما نقرأ الوثائق المتعلقة بتاريخ الإمارات وقادتها، نجد أنها تقدم نموذجاً مختلفاً، فهي تكشف عن ثبات في المبادئ، ووضوح في الرؤية، وحرص على بناء الإنسان والدولة، وتغليب للحكمة والتسامح والسعي إلى الاستقرار والتنمية. وهذه ليست أحكاماً يُطلقها المعاصرون أو أوصافاً تُرددها الخطابات، بل حقائق يمكن تتبُّعها في الرسائل والقرارات والمراسلات والوثائق التي حفظها الأرشيف على امتداد العقود.
وهكذا تُذكِّرنا الوثيقة بحقيقة جوهرية، أن ما يكتبه الإنسان اليوم قد يصبح بعد عشرات أو مئات السنين جزءاً من ذاكرة أمة، وأن المواقف لا تنتهي بانتهاء أصحابها، بل تبقى محفوظة في السجلات تنتظر من يقرأها ويستخلص منها الدروس والعبر. ولذلك فإن الوثيقة ليست شاهداً على الماضي فحسب، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية، ودعوة دائمة إلى أن يكون القول والفعل على قدر ما سيحكم به التاريخ يوماً ما.
*كاتب إماراتي