على مدى السنوات الـ15 الماضية، درس العلماء سيناريو لحدوث أسوأ كارثة مناخية. وفي ظل هذا السيناريو، والذي يُعرف في الأوساط العلمية باسم «آر سي بي 8.5»، أو «مسار التركيز التمثيلي»، يستمر البشر في حرق الوقود الأحفوري بلا هوادة طوال القرن الـ21، وترتفع درجة حرارة الأرض بنحو 5 درجات مئوية، أو 9 درجات فهرنهايت، فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. في ظل هذا السيناريو الكئيب، يختفي ساحل فلوريدا تحت الماء، وستشهد منطقة جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية نزوحَ أكثر من 85 مليون شخص بسبب تغيُّر المناخ بحلول عام 2050، مع انقراض نصف أنواع النباتات والحيوانات في العالم.
ورغم أنه تنبّؤ قاتم، فقد أعلن العلماء مؤخراً أنه أصبح الآن «غير محتمل الحدوث». ففي أبريل الماضي، أعلن كبار علماء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة أن هذا السيناريو تحديداً، وهو أحد مسارات التركيز التمثيلية الأربعة التي تقيس كمية الطاقة الشمسية المحتجزة في الغلاف الجوي للأرض في ظل مستويات مختلفة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لم يَعُد تنبّؤاً واقعياً، وذلك بفضل نمو الطاقة المتجددة وسياسات المناخ.
وقد رحّب البعض بهذا الخبر، حتى مع قول علماء في التقرير نفسه إن سيناريو الانبعاثات الأدنى، والذي يحمل رقم 2.6 ويتماشى مع هدف الحدّ من الاحترار المستقبلي إلى أقل من درجتين مئويتين، قد يكون غير واقعي أيضاً. وفي المقابل، استهجن آخرون في المجتمع العلمي هذا الإعلان، مشيرين إلى أن السيناريو القاتم كان مستبعداً منذ سنوات. بل إن البعض يؤكد أن هذا السيناريو لم يكن أبداً مؤشّراً على مستقبل محتمل، وإنما تم الترويج له بشكل مخادع من قبل نشطاء المناخ الذين استفادوا من الضجة الإعلامية التي أثارها.
لكن يتفق الجميع تقريباً على مسألة أساسية، وهي أنه من الصعب إيصال التفاصيل العلمية الدقيقة والمعقّدة إلى السياسيين والناشطين ووسائل الإعلام، لا سيما إذا تعلّق الأمر بعِلم بالغ التعقيد والحساسية السياسية كأبحاث تغير المناخ.

ويقول زكي هاوسفاذر، أحد الباحثين المشاركين في دراسة مناخية نُشرت عام 2020: «إن كثيرين تعاملوا مع سيناريو «8.5» على أنه المستقبل الافتراضي المحتمل، رغم أنه صُمم أساساً لتمثيل أسوأ الاحتمالات الممكنة. ويضيف أن وجود سيناريوهات متطرفة أمر مهم للدراسة والتخطيط، والتي أدت إلى إحراز تقدم في جعل السيناريوهات المتطرفة أقل احتمالاً بفضل انخفاض تكاليف الطاقة النظيفة، وزيادة الاستثمارات العالمية فيها، والابتعاد عن الوقود الأحفوري».
وعندما نُشر هذا النموذج عام 2011، بدا أن منحنى انبعاثات غازات الاحتباس الحراري يرتفع بشكلٍ صاروخي، مسجّلاً زيادة قدرها 30% خلال العقد السابق.
لكن حتى في ذلك الوقت، كان مسار 8.5 يهدف إلى تمثيل سيناريو متطرف يعتمد على زيادة غير مسبوقة في استخدام الفحم تصل إلى خمسة أضعاف بحلول عام 2100. أما اليوم، فنحن نعيش في عالم مختلف يعتمد بدرجة أقل بكثير على الفحم، كما يقول هاوسفاذر، ومع تسارع التحول نحو الطاقة المتجددة، أصبح هذا السيناريو أقرب إلى الاستحالة منه إلى الاحتمال.

ويقول بعض علماء المناخ إن آلاف الدراسات العلمية التي قيّمت سيناريو RCP 8.5 لم تكن مجرد مضيعة للوقت والموارد فحسب، بل صرفت انتباه الباحثين أيضاً عن التعمق في سيناريوهات أكثر اعتدالاً تُعدّ أكثر ملاءمةً للواقع اليوم. وقد شبّه الباحثون سيناريو«8.5» بمهندس يُحاكي ما سيحدث لو اقتحمت 250 دبابة عسكرية جسراً في وقت واحد، ورغم أن ذلك غير محتمل الحدوث، لكنه تمرين مفيد للمهندس للتعرف على نقاط الضعف الهيكلية.
ويرى الباحثون أن بعض النشطاء والصحفيين، وحتى العلماء، استغلوا هذا السيناريو لترهيب المواطنين وحثِّهم على خفض الانبعاثات، بل إن بعضهم شوّه سمعة العلماء الذين تجرّأوا على التشكيك في احتمالات وقوع السيناريو. مع ذلك، لا يتفق الجميع مع ذلك.

إذ يرفض كريس فيلد، عالِم المناخ في جامعة ستانفورد والرئيس السابق لأحد فرق العمل التابعة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ بين عامي 2008 و2015، أي ادعاء بأن المجتمع العلمي تعمّد تضليل الجمهور أو استخدام هذا المسار بهدف التوجيه السياسي. ويؤكد أن هذه النماذج عالية الانبعاث كانت ضرورية لفهم نطاق الاحتمالات وتجنب النتيجة القاتمة.

ويُعتبر عِلم المناخ بطبيعته مجالاً شديد التعقيد، إذ أن أنظمة الطاقة في الأرض مترابطة ومتشابكة، كما أنها تتأثر بالسلوك البشري، وهو عامل بالغ الصعوبة في التنبؤ أو القياس، حتى في غياب المتغيرات السياسية والاجتماعية المستقبلية غير المعروفة.
ولكن في ظل اتجاهات الانبعاثات الحالية، يبدو أن الكوكب يتجه نحو سيناريو «آر سي بي 4.5»، وهو أحد السيناريوهات المتوسطة، والذي يتوقع أن يؤدي إلى ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية بما يصل إلى 3 درجات مئوية بنهاية القرن، وهي لا تزال نتيجة سيئة للغاية.
ويشير علماء المناخ إلى أن كل جزء إضافي من الاحترار يزيد من خطر النتائج السلبية. فتشير الدراسات إلى أن زيادة درجتين مئويتين فقط يرفع احتمال حدوث أضرار بيئية مثل انهيار الشعاب المرجانية في المحيط، وقد يواجه واحد من كل أربعة أنواع من النباتات والحيوانات في غابات الأمازون المطيرة وجُزر غالاباغوس الانقراض المحلي. ويمكن أن تؤثّر الحرارة الشديدة أيضاً على ملايين الأشخاص الآخرين وتُمثّل تحدياً للأنظمة الغذائية في جميع أنحاء العالم.
ويستند هذا السيناريو المتوسط أصلاً إلى افتراض استمرار العالم في تقليص الاعتماد على الفحم والحدّ تدريجياً من استهلاك الوقود الأحفوري. لذلك، فإن استبعاد السيناريو الأكثر تطرُّفاً لا يُعد مبرراً للتراجع عن جهود التحول إلى الطاقة النظيفة، حتى مع احتفال مؤيدي الفحم، مثل الرئيس دونالد ترامب، بهذا الخبر باعتباره دليلاً على المبالغة في المخاوف المناخية. بل يعكس في جانب منه أثر السياسات والتقنيات التي ساهمت بالفعل في خفض احتمالات الوصول إلى ذلك المسار الكارثي.

ويكمن الدرس الحقيقي المستفاد من سيناريو«8.5» لنموذج المناخ التالي في كيفية توصيله إلى الجمهور، مع الموازنة بين مدى إلحاح القضية ودقتها. ويقول بعض العلماء إن السيناريو ربما أدّى إلى عكس التأثير المقصود، أي أنه ربما دفع بعض الناس إلى الشعور باليأس أو العجز بدلاً من تحفيزهم على دعم الحلول.ويعتقد العلماء أن ضخامة هذا السيناريو وطابعه المرعب جعلا كثيرين يشعرون بأن المشكلة أكبر من قدرتهم على التأثير فيها، في حين أن الناس يحتاجون إلى رؤية مسارات واقعية ومشجّعة للتغيير، لا إلى الاكتفاء بإثارة الخوف من المستقبل. 


*صحفية متخصّصة في قضايا التغير المناخي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»