حظيت زيارة الرئيسة الفنزويلية المؤقتة، ديلسي رودريغيز، إلى الهند، باهتمام واسع، حيث جاءت في وقت تتعرض فيه تدفقات الطاقة العالمية لضغوط متزايدة نتيجة للصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وتعاني الهند، التي تعد أحد أسرع الاقتصادات نمواً، من اضطراب في قطاع الطاقة بسبب إغلاق مضيق هرمز، نظراً لحاجتها الماسة للطاقة لدعم اقتصادها متزايد النمو.
وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة الرئيسة الفنزويلية إلى الهند أهمية إضافية، إذ تسعى نيودلهي إلى تنويع مصادر طاقتها لتجنب تداعيات الصراع الإيراني على اقتصادها. وفي مؤشر على توسع العلاقات النفطية بين الهند وفنزويلا، أعلن وزير النفط الهندي أن الشركات الهندية أبدت استعدادها لتعزيز وجودها في فنزويلا. وذكرت تقارير إعلامية أن الهند كانت ثاني أكبر مستورد للنفط الفنزويلي الشهر الماضي، حيث بلغت مشترياتها 427 ألف برميل يومياً. كما كانت فنزويلا من بين أكبر موردي النفط الخام للهند خلال شهري أبريل ومايو.
وتولت رودريغيز منصبَ الرئيس المؤقت لفنزويلا بعد عملية عسكرية أميركية للإطاحة بنيكولاس مادورو في يناير الماضي. ومنذ ذلك الحين، واصلت واشنطن ممارسةَ نفوذها على فنزويلا، لدرجة أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هو مَن أعلن عن زيارة الرئيسة الفنزويلية إلى الهند لمناقشة تجارة النفط. وبالفعل، ركزت المباحثات خلال الزيارة على التعاون في قطاع الطاقة، حيث سعى الجانبان إلى بحث سبل تعزيز التعاون في تطوير النفط والغاز.
وجاء ذلك لتعميق العلاقات في ظل تحول مشهد الطاقة العالمي، حيث تسعى الدول إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية المحدودة. وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، حيث تُقدر بنحو 303 مليارات برميل، أي نحو 17% من الإجمالي العالمي. وهذا إضافة إلى امتلاكها سابع أكبر احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي عالمياً، والتي تُقدر بنحو 6.3 تريليون متر مكعب.
ونظراً لأن أزمة إيران أبرزت مخاطر الاعتماد المفرط على مصادر محدودة، تسعى الهند إلى تنويع تجارتها في مجال الطاقة، وتتطلع أيضاً إلى الحفاظ على علاقاتها في هذا المجال مع عدد من الدول الأخرى، إذ تستورد قرابةَ 90% من احتياجاتها من النفط الخام، ولذا فهي تتأثر بشدة بأي اضطراب في سوق الطاقة.كما انتهجت الهندُ سياسةً خارجيةً تقوم على تحقيق التوازن والحفاظ على علاقاتها الدولية المختلفة، وهو ما مكنها من ضمان مصالحها الاقتصادية والطاقوية مع الاحتفاظ بعلاقاتها الدبلوماسية. لكن لا يقتصر تشجيع الولايات المتحدة للتعاون الهندي الفنزويلي على مجال الطاقة فحسب، بل هناك أيضاً مسعى لتطوير ذلك التعاون ليتجاوز النفط والغاز. وبينما تسعى واشنطن إلى تقليل اعتماد الدول على الطاقة الروسية، عملت على تقديم النفط الفنزويلي كمصدر بديل. كما أن إدخال النفط الفنزويلي إلى السوق خلال هذه المرحلة يُسهم في خفض تكلفة النفط في السوق الدولية، والتي تعاني من ضغوط بسبب إغلاق مضيق هرمز.
وإلى جانب النفط والغاز، اتفق البلدان على أهمية تعزيز التعاون في مجالات الأدوية والكيماويات والسلع الهندسية وغيرها من المنتجات المصنعة. وجرت مناقشات مشتركة موسعة حول التعاون في المجالات المذكورة، إضافة إلى المعادن الحيوية والتكنولوجيا والزراعة والسيارات والنقل والصحة وتربية الحيوانات والعلاقات الشعبية، مما يعكس توجهاً أوسع لتعزيز العلاقات الثنائية بين الجانبين.
وتسعى الهندُ إلى توطيد علاقاتها مع أميركا اللاتينية وسط مخاوف مشتركة بشأن الأمن الغذائي والطاقوي، مع هدف زيادة حجم التبادل التجاري الثنائي إلى 100 مليار دولار. كما يتشارك البلدان أولوياتٍ مشتركةً كعضوين في دول الجنوب العالمي. ويتطلعان أيضاً إلى توسيع التعاون ليشمل التكامل المتنامي للبنية التحتية الرقمية العامة.
ويؤكد توقيتُ زيارة رودريغيز على تقارب مصالح الطرفين. فبالنسبة لفنزويلا، يتيح لها تعزيز العلاقات مع الهند الوصولَ إلى سوق كبيرة ومتنامية، بجانب وجود سوق لمنتجاتها من الطاقة. كما تسعى الدولة اللاتينية إلى التخلص من تداعيات سنوات من العزلة الدولية، حيث تزداد أهمية اقتحام الأسواق الآسيوية. ويرى المسؤولون تكاملاً مثالياً بين قطاعي الطاقة والسلع الصناعية، وأن التعاون الوثيق مع فنزويلا يكتسب أهميةً بالغةً بالنسبة لدول الجنوب العالمي. أما بالنسبة للهند، فتوجد فرص سانحة في مجالات حقول النفط والتكرير والمعادن الحيوية.ومن دون شك، فإن العلاقة بين البلدين تقوم على تقاطع واضح في المصالح؛ فالهند تحتاج إلى مصادر موثوقة للطاقة، وفنزويلا تحتاج إلى أسواق مستقرة لتصدير طاقتها. ويضاف إلى ذلك توجه متزايد لدى البلدين نحو توسيع تلك العلاقة لتشمل مجالات جديدة لم تُستغل بعد، مثل الاستثمار والتعدين والتعاون التجاري.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي