تُعد الولايات المتحدة مركزاً محورياً لازدهار الذكاء الاصطناعي، فهي تضم أغلب مراكز البيانات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، كما أنها مقر الشركات الرائدة في تصميم الرقائق الإلكترونية ونماذج اللغة الضخمة. لكن المستثمرين ثمّنوا هذا التفوق، بل وبالغوا في قيمته. وفي المقابل، تتمتع الأسواق الناشئة بفرص استثمارية واعدة في مجال الذكاء الاصطناعي، مع أسعار منخفضة مقارنةً بنظيراتها في الأسواق المتقدمة، ما يُبشر بمستقبل مُشرق خلال السنوات القادمة. ويرى خبراء الاستثمار أنه من المثير للدهشة أن مؤشرات الأسواق الناشئة يبلغ وزن قطاع التكنولوجيا فيها أكثر من الولايات المتحدة، بنسبة تصل إلى 40% تقريباً. كما أن هذا الازدهار في سوق الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على عدد قليل من الشركات في الولايات المتحدة، فقد لا تُنتج الدول النامية شركة رائدة مثل «أنثروبيك بي بي سي»، لكنها تُتيح فرصاً استثمارية واسعةً في قطاع أشباه الموصلات، فضلاً عن شركات مثل «مجموعة علي بابا القابضة المحدودة»، مبتكرة نموذج «كوين» الأساسي.
كما تولي مؤشرات الأسواق الناشئة، مثل مؤشر بلومبيرغ للأسواق الناشئة ذات القيمة الكبيرة والمتوسطة ومؤشر «إم إس سي آي» للأسواق الناشئة، اهتماماً كبيراً للمواد الخام الضرورية لتشغيل الذكاء الاصطناعي. إذ توجد في الشرق الأوسط والبرازيل شركات ضخمة في قطاع الطاقة، بينما تنتج مناجم تشيلي وبيرو النحاس اللازم لنقل الطاقة إلى مراكز البيانات وتشغيلها.
وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء إلى أكثر من 945 تيراواط ساعة بحلول عام 2030، أي أكثر من إجمالي استهلاك اليابان. وسيُسهم الغاز الطبيعي في تلبية هذا الطلب على المدى القريب، مع الجهود الحثيثة لجعل الطاقة النووية السلمية جزءاً متزايداً من مصادر توليد الطاقة، مما قد يُؤدي لثراء منتجي اليورانيوم في دول نامية مثل كازاخستان. ويتوقع أيضاً أن يزداد الطلب على النحاس بشكل ملحوظ، إذ يمكن أن تمثل مراكز البيانات عامل اضطراب قد يؤدي إلى استنزاف الإمدادات وارتفاع الأسعار.
ولم يعد الاستثمار في موجات الذكاء الاصطناعي مجرد اختيارٍ للاتجاه الصحيح، بل أصبح مرتبطاً بتوقيت الدخول إلى دورات الحماس المتسارعة في السوق. وخلال السنوات الثلاث الماضية تنقل السوق بين عدة اتجاهات فرعية: صعود إنفيديا الأول في عام 2022 وبداية عام 2023، ثم هيمنة الشركات السبع الكبرى، تلتها موجة إنفيديا الثانية في عام 2024، ثم طفرة أسهم التبريد، وموجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والدفاع، وصعود أوراكل في صيف عام 2025، ثم توقعات نهاية عصر البرمجيات كخدمة، تلته طفرة الذاكرة في عام 2026، وصولاً إلى موجة الاعتراف بأن الأسواق تسرّعت في التقليل من شأن البرمجيات.والدرس المستفاد هو أن الأسواق سريعة للغاية في تقييم المكاسب المحتملة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بمجرد تحديدها للسهم الرابح. ويفوّت المستثمرون الذين ينتظرون تأكيدَ توقعاتهم فرصةَ الصعود الكبير الأول، إن لم يفوتوا موجةَ الارتفاع كلها. ويبدو أن مؤشر الأسواق الناشئة يتجه نحو الارتفاع العام الحالي، وتشير التجارب الأخيرة إلى أن الوقت قد حان للتركيز والمتابعة.
وتتداول أسهم الأسواق الناشئة بخصم كبير مقارنةً بنظيراتها في الأسواق المتقدمة، حتى بعد الأداء المتميز خلال العام. ويتداول مؤشر بلومبيرغ للشركات الكبيرة والمتوسطة في الأسواق الناشئة بنحو 64% من نظيره في الأسواق المتقدمة. وكان المتوسط نحو 74% في العقد الذي سبق ظهور «شات جي بي تي». وقد لا تبدو أسهم شركات التكنولوجيا في الأسواق الناشئة مغرية للوهلة الأولى، لاسيما بعد الارتفاعات الاستثنائية لشركات الرقائق الإلكترونية العام الجاري، لكنها أقل تكلفة بكثير من نظيراتها في الأسواق المتقدمة. كما تُعد الطاقة والمواد والمرافق العامة منخفضة التقييم نسبياً، سواء على أساس منفرد أو مقارنةً بنظيراتها في الأسواق المتقدمة.
وحتى إذا تراجعت طفرة الذكاء الاصطناعي، فإن المواد الخام المستخرجة من أميركا الجنوبية والشرق الأوسط ستظل ضرورية لدعم النمو العالمي القادم، أياً كان القطاع الذي يقوده. كما يمكن لأسهم الطاقة والمواد أن تشكل وسيلةَ تحوّط ضد استمرار التوترات الجيوسياسية وما قد تسببه من اضطرابات في سلاسل الإمداد.
وللتذكير، فقد تراجعت أسهم الأسواق الناشئة لسنوات خلال طفرة الإنترنت في التسعينيات، ثم عادت بقوة في أوائل الألفية الجديدة مع صعود السلع وصعود الاقتصاد الصيني، محققةً نمواً سنوياً مركباً يقارب 15% بين عامي 1999 و2007، مقابل عقد ضعيف الأداء في الولايات المتحدة.
ولو تراجع ازدهار الذكاء الاصطناعي، فمن المرجَّح في هذه الحالة أن تظل المواد الخام المستخرجة من أميركا الجنوبية والشرق الأوسط ضرورية لدعم المرحلة التالية من النمو العالمي، بغض النظر عن القطاع الذي يُشغله. كما تُشكل أسهم الطاقة والمواد العامة وسيلة تحوّط فعالة ضد التوترات الجيوسياسية المرتفعة باستمرار، وما قد تُسببه من صدمات مستمرة في سلاسل الإمدادات.
 وقد شهدت أسهمُ الأسواق الناشئة أداءً ضعيفاً لسنوات في التسعينيات بالتزامن مع ازدهار شركات الإنترنت، ثم انتعشت بقوة وحققت مكاسب هائلة في أوائل الألفية الجديدة. وأعاد هذا الانهيارُ الاستثمارَ إلى السلع الأساسية وغيرها من المنتجات المادية، مدفوعاً بنمو الصين أيضاً. وكان معدل النمو السنوي المركب للأسواق الناشئة، البالغ 15%، خلال الفترة من 1999 إلى 2007، بمثابة ترياق رائع لما كان يُعتبر عقداً ضائعاً في الولايات المتحدة.ومن المفهوم أن يتجاهل المستثمرون الأسواقَ الناشئة في الوقت الحالي: فقد أصبحت دورة السلع الفائقة في العقد الأول من الألفية جزءاً من التاريخ القديم، ولم تر الأجيالُ الجديدةُ من المستثمرين سوى هيمنة التكنولوجيا الأميركية. لكن يتم تثمين الولايات المتحدة بمستويات مرتفعة اليوم، حتى مع توقف ثورة الذكاء الاصطناعي على قدرة السوق على توفير كميات كبيرة من النحاس والغاز الطبيعي واليورانيوم في المستقبل. وقد يعني هذا أن صفقة الذكاء الاصطناعي المقبلة سترتبط بمناجم تشيلي وبيرو بقدر ارتباطها بإدارة وادي السيليكون.


*كاتب متخصص في الأسواق الأميركية والاقتصاد
*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»