تبحث طهران عن وقف للحرب، لكنها لم تُقدِّم ما يُثبت استعدادها لمراجعة النّهج الذي قاد إليها. وقد تكفي الهُدنة لوقف جولة من جولات المواجهة، لكنها لا تكفي لبناء استقرار إذا بقيت إيران تدير أزماتها بمنطق الصواريخ والوكلاء وبلطجة الممرّات البحرية والضغط على الجوار. لا تُعارض دول الخليج الحلول السياسية، فقد دفعت دائماً نحو خفض التصعيد وحماية الملاحة واستقرار أسواق الطاقة.
غير أن الأزمة مع طهران تبدأ عندما تتحول الهدنة إلى فرصة لترتيب الأوراق، من دون أي تغيير في السلوك. عندها يصبح وقف القتال مجرد تجميد مؤقّت للصراع، وليس بداية لمسار يُطمئن الجوار أو يفتح باب تسوية حقيقية. يكفي النظر إلى التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل لفهم المسار. استهدافٌ إسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت، وردٌّ إيراني على إسرائيل، ثم ردٌّ إسرائيلي جديد، وتحرّكٌ حوثي. المشهد يكشف أن الجبهات ليست منفصلة كما تحاول طهران أحياناً الإيحاء. لبنان، البحر الأحمر، الخليج، هرمز، كلها أوراق داخل عقلية سياسية تستخدم التهدئة عندما تحتاجها، وتستحضر التصعيد عندما تراه مفيداً على طاولة المفاوضات.
وتزيد الحسابات الأميركية والإسرائيلية من ضبابية أي تهدئة. واشنطن تريد اتفاقاً يخفّف كلفة الحرب على الاقتصاد والداخل الأميركي، وإسرائيل ترى في أي توقف مبكر فرصة ضائعة لتثبيت ردعها، أما طهران فتراهن على الوقت وعلى اختلاف أولويات خصومها. وسط هذه الحسابات، لا يجوز أن يبقى أمن الخليج نتيجة جانبية لتفاوض الآخرين أو خلافاتهم.
فاستقرار المنطقة يحتاج إلى قواعد تخصُّ دولها أولاً، بعيداً عن ترتيبات تصنعها ضغوط انتخابية أو اعتبارات أمنية خارجية. وهنا يصبح استحضار تجربة 2015 ضرورياً من باب العبرة، لا من باب المقارنة المطوّلة. حينها انحصر التركيز في البرنامج النووي، بينما بقي السلوك الإقليمي المُعادي يتحرك في أكثر من اتجاه. واستمر تطوير أدوات الضغط، واتّسع حضور الميليشيات، وبقي التدخل في شؤون الدول جزءاً من السياسة الإيرانية. لذلك فإن أي اتفاق جديد لا يضع هذا السلوك في قلب المعالجة سيمنح الأزمة وقتاً إضافياً، ولن يفتح طريقاً جديّاً للاستقرار.
ما كشفته الأسابيع الماضية أن تكرار استهداف الكويت والبحرين لم يَعُد حدثاً يُقابل بردود متفرّقة. فتوالي الاعتداءات، بما شمل مطاراً مدنياً ومنشآت مدنية وحيوية، أعاد تثبيت أن أمن الخليج لا يُدار بمنطق كل دولة وحدها.
الاعتداء على أي عضو فيه اختبار للمنظومة كلها، ومحاولة إيرانية لقياس حدود التماسك. وكلما تعاملت طهران مع العواصم الخليجية كملفات منفصلة، تعزّزت الحاجة إلى موقف سياسي وأمني جماعي، يربط حماية السيادة بمنع تكرار الاعتداء. تنظر الإمارات إلى الهدنة بزاوية أوسع من وقف مؤقت للنار بين واشنطن وطهران.
الدبلوماسية طريق مطلوب، وتفقد معناها عندما تُدار تحت التهديد. وقد لخّص معالي الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، جوهر المسألة بالحديث عن الطموح الإيراني الإقليمي المتضخّم، وعن مراجعة تقوم على احترام السيادة وحُسن الجوار وعدم التدخل. فالحديث هنا يتجاوز ملفّاً محدّداً إلى أصل سلوك يرى النفوذ خارج الحدود حقاً مكتسباً، ويرى أمن الآخرين مساحة للمساومة. التعويضات عن الأضرار أداة ضغط مشروعة على طهران، وقيمتها السياسية تكتمل عندما تقترن بقواعد ردع جديدة تمنع تكرار الاعتداء.
فالقضية لا تقف عند ترميم منشأة أو إصلاح ضرر، وإنما عند ترسيخ قاعدة أن استهداف دول الخليج يحمل كلفة سياسية وأمنية وقانونية. المطلوب أن تدرك طهران أن الخليج تغيّر، وأن دوله لن تقبل أن تتحول إلى مساحة ضغط في حسابات إيران مع واشنطن وتل أبيب.
وحتى إنْ فرضت الضغوط هدنة مؤقّتة، فالمعطيات لا توحي بتهدئة حقيقية ما دام التصعيد ينتقل بين أكثر من ساحة. والاستقرار لن يبدأ إلا عندما تنتقل إيران من منطق الحرس الثوري، القائم على إدارة الأزمات عبر الوكلاء والضغط على الجوار، إلى منطق الدولة الطبيعية وحُسن الجوار. فالهُدنة التي لا تراجع السلوك الإيراني المعادي لن تكون نهاية للأزمة، وإنما توقّفٌ قصيرٌ قبل جولة جديدة.
*كاتب إماراتي