ليس من السهل أن تشرح للأطفال الذين ينشأون اليوم وسط الشاشات ومقاطع الفيديو المنتشرة، القوة الملهمة التي هبط بها كأس العالم على التلفزيون الأميركي عام 1994. لقد هبطت بالتأكيد على شاشة «ماجنافوكس» القديمة في منزل والديّ في غابات شمال نيو إنجلاند. ومثل كثير من الأطفال الأميركيين في السنوات الأخيرة من الحرب الباردة، كنت أقضي صباحات السبت في ركل الكرة داخل الحقول الأميركية، لكنني لم أرَ اللعبة تُلعب على أعلى مستوى قط - حتى عام 1994.العيش في نطاق تغطية ABC لمباريات ذلك الصيف كان يعني التعرف على أفضل لاعبي العالم والفرق الأكثر حباً. وكان يعني أيضاً الاستمتاع بمشاهد حية وأحياناً غير متوقعة من الحماسة العرقية والوئام، لم تشمل تلك الفرق فحسب، بل أيضاً مشجعيها المتحمسين. لقد ملأوا أكبر صالات أميركا - نيجيريون بالزي الأخضر ومكسيكيون بقبعات السومبريرو، سويديون بقبعات الفايكنج وأرجنتينيون يغنون أغاني عن دييغو مارادونا. مشاعر التنافس والفخر الوطني لم تُشعل الحروب بل اللعب.
ومشاهدة تلك المباريات، كما أخبرنا معلقو ABC، كانت تعني مشاهدة بث يتابعه مليارات البشر الآخرين والمشاركة في العالم.
في عام 2026، لا يبدو العالم كما كنا نأمل من منظور مشمس في أوائل التسعينيات، عندما كان التاريخ لا يزال يبدو وكأنه يسير في اتجاه إيجابي. الولايات المتحدة، التي بدا أنها متجهة لتكون أكثر انفتاحاً، أصبحت أكثر انغلاقاً. لكن عودة كأس العالم، وهي مسابقة تأسّست في نفس عصر عصبة الأمم وتتضمن رياضة تعلم الأميركيون الآن حبها، ستظل تحول الصراعات بين الدول إلى «منافسات سلمية في الملاعب»، كما قال جول ريميه، الرجل الذي دبر المسابقة. والأهم من ذلك، أنها ستمنحنا جميعاً فرصة لتجربة، ولو للحظة، شكلاً قوياً من التواصل.
في عام 1994، كانت الحرب الباردة قد انتهت، وكانت أميركا -رغم حروبها بالوكالة- تحظى بإعجاب الكثير من البلدان النامية، كنموذج عالمي للديمقراطية وسيادة القانون. لكن الثقافة الرياضية في الولايات المتحدة كانت انعزالية وشوفينية. كانت محددة برياضات طورها الأميركيون من ألعاب المستعمرين: كرة القدم الأميركية كانت شكلاً أكثر ديناميكية وعنفاً من الرجبي الإنجليزي، والبيسبول كان نسخة أميركية من الكريكيت. اعتز الأميركيون بأن القليلين في العالم يهتمون أو يلعبون «رياضتنا الوطنية».
كرة القدم (الأسوسييشن فوتبول)- وهي لعبة ذات جذور عالمية قديمة، ولكن شكلها الحديث، مثل الرجبي والكريكيت، تم تقنينه في إنجلترا- وأصبحت الساحرة أصبحت اللعبة التي لعبوها على الأرصفة من بوينس آيرس إلى أكرا إلى هونغ كونغ، يتبنّاها الناس الذين أسسوا أندية في تلك المدن وآلاف غيرها. وحسب مؤرخ كرة القدم ديفيد غولدبلات، «بمعجزة تضامناتنا». أصبحت كرة القدم الطريقة الأبرز في القرن العشرين للناس حول العالم للاحتفال، باستثناء الولايات المتحدة حتى عام 1994 على الأقل. كانت بطولة كأس العالم ذلك الصيف هي الأكثر حضوراً ومشاهدة في تاريخ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). كان هذا هو الهدف. هدفت الفيفا وشركاؤها، من بينهم بعض أكبر الشركات والتكتلات الإعلامية في العالم، إلى جعل الرياضة الأكثر حباً في العالم تجارة كبيرة في أغنى سوق في العالم.
في الـ32 عاماً منذ كأس العالم 1994، تحققت أحلام الفيفا وأتباعها من الشركات إلى حد كبير. نحن نتابع أفضل الدوريات العالمية على التلفزيون، وفريقنا النسائي يتفوق على العالم. وفقاً لأحدث استطلاع، تجاوزت كرة القدم لعبة البيسبول كثالث أكثر الرياضات شعبية لدى الأميركيين، خاصة بين المراهقين، وهي تقترب من منافسة الدوري الأميركي لكرة السلة (NBA) على القلوب والعيون.
سبب عودة كأس العالم لكرة القدم، الحدث الرئيسي للفيفا إلى أغنى دولة في العالم، هذه المرة، وبتقاسم مهام الاستضافة مع جيراننا في أميركا الشمالية والموقّعين على اتفاقية نافتا، هو نفس السبب الذي جعل جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا الحالي، يزيد من عدد الدول المشاركة في المونديال من 32 دولة إلى 48 دولة: إنه المال، ما يشير إلى تقاسم تكلفة الاستضافة.
في عام 1994، أثارتنا أهداف روماريو مع منتخب البرازيل، وفي عام 2026، سنتساءل عما إذا كان فريق كيليان مبابي الفرنسي المتقلب يستطيع التكاتف، وما إذا كان ليونيل ميسي العظيم سيحرز مع فريقه إنجازاً جديداً بالفوز في المونديال. سنشجع الدول الصغيرة، من هايتي إلى الأردن إلى الرأس الأخضر، على أمل أن تحقق ولو فوزاً واحداً مجيداً.
ستقام المباراة النهائية هذا العام في 19 يوليو في ملعب ميتلايف بنيو جيرسي، الذي استضاف عام 1994 مباراة لا تُنسى بين إيطاليا وأيرلندا. كان ممتلئاً عن آخره بأطفال المهاجرين الذين يهتفون بحبهم للبلدان القديمة داخل البلد الجديد الذي نجحوا فيه.كنا نتابع حينها، وسنتابع الآن مئات المباريات عبر القارة. وسنعرف أن ما يحدث في ملاعبها سيقدم نموذجاً، كما لا يمكن إلا لكأس العالم أن يقدم، للعالم كما نريده أن يكون.
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»