إعلان وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مطلع أبريل 2026، بعد أكثر من خمسة أسابيع من مواجهة بدأت في الثامن والعشرين من فبراير، لحظة مفصليّة في تاريخ المنطقة. لكنه ليس نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة تكشف ما إذا كانت الأطراف قد استوعبت دروس المواجهة أم اكتفت بتأجيلها. والدليل على هشاشته أن الهدنة أُعلنت أولاً لأسبوعين، خُرقت من الجانبين، ثم مُدّدت لأجل غير مسمّى، ولم تُنجز مذكرة تفاهم إلا في منتصف يونيو الجاري، وتنتظر التوقيع لتصبح التزاماً فعلياً.
والسؤال الحقيقي ليس من انتصر، بل ماذا حققت الحرب؟ تكفي الأرقام للإجابة. فحين أُغلق مضيق هرمز في الرابع من مارس الماضي، تعطّل ممرّ يعبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً - أو خُمس الاستهلاك العالمي، وأكثر من ربع التجارة البحرية للنفط. وقفز خام برنت فوق 120 دولاراً، وأعلنت «قطر للطاقة» حالة «القوة القاهرة»، وتراجع الإنتاج الخليجي مجتمعاً بأكثر من عشرة ملايين برميل يومياً، واضطرت واشنطن للسّحب من مخزونها الاستراتيجي بنحو 400 مليون برميل في أكبر إفراج في تاريخها عن النفط. أما عالمياً فقُدّرت الخسائر بنحو 1.3 تريليون دولار، أي قرابة 0.6% من الاقتصاد العالمي. هذه فاتورة أسابيع من القتال.
عسكرياً، أثبتت المواجهة أن الحروب الحديثة لا تُحسم بعدد الصواريخ، بل بقدرة الدول على الصمود وحماية بنيتها واقتصادها، فإغلاق ممرٍّ لا يتجاوز عرضه 33 كيلومتراً زعزع الاقتصاد العالمي. وأثبتت أن الرّدع ليس منع الحرب دائماً، بل فرض العودة إلى التفاوض حين تصبح كلفتها باهظة.
سيسوّق كل طرفٍ الاتفاقَ انتصاراً له: واشنطن تقول إنها أعادت الرّدع وأجبرت طهران على التفاوض، وطهران تقول إنها صمدت دون التخلي عن سيادتها. لكن القراءة الموضوعية أن الطرفين بلغا القناعة ذاتها: استمرار المواجهة لم يَعُد يخدم أحداً. والمحادثات المباشرة في إسلام آباد منتصف أبريل الماضي - الأرفع منذ 1979 - لم تُنتج اتفاقاً من أول محاولة، بل تخلّلها انهيار وحصار بحري قبل التهدئة، وهذا توازن إنهاكٍ، لا سلام ناضج.
والأخطر أن الاتفاق عالج النتائج لا الأسباب. فالبرنامج النووي قائم، والصواريخ لم تُحسم، ومستقبل الأذرُع المسلحة يطرح أسئلة جوهرية عن الأمن الإقليمي. والاستقرار لا يأتي بالاتفاقات وحدها، بل بتغيير السلوك الذي صنع الأزمة.
ولم تكن الأزمة وليدة الملف النووي وحده، بل نتاج عقود من انعدام الثقة والصراعات بالوكالة والتدخلات الإقليمية المتبادلة. فاستقرار الشرق الأوسط لن يتحقق بمجرد تجميد برنامج أو توقيع مذكرة تفاهم، بل ببناء منظومة إقليمية تقوم على احترام سيادة الدول وعدم استخدام الجماعات المسلحة كأدوات نفوذ خارج الحدود. فالأمن الحقيقي لا يُبنى بالخوف المتبادل، بل بالمصالح المشتركة والاستقرار طويل الأمد.
ومن منظور الخليج، وقفُ الحرب تطورٌ مطلوب، فالمنطقة كانت الأكثر تضرراً. لكن الدرس الأهم أن أمن الخليج لا يبقى رهينة لتفاهمات دولية أو توازنات مؤقّتة. لذا باتت الحاجة ملحّة لمنظومة دفاع خليجية متكاملة تجمع الإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي والحرب الإلكترونية وتبادل الاستخبارات في الزمن الحقيقي ضمن إطار موحّد، لأن أي ثغرة في أمن دولة واحدة، ثغرة في أمن المنظومة كلها. وتبقى القوة العسكرية ضمانةً للسلام لا بديلاً عنه.
كما كشفت الأزمة أن الشعوب باتت أقل حماساً للحرب وأكثر تطلُّعاً للتنمية. فارتفاع الوقود 10% يرفع كلفة توزيع الغذاء 3–5%، والعبء الأثقل على أفقر الأُسر. وبعد عقود من الاستنزاف، يبحث المواطن عن الازدهار وجودة الحياة لا الانتصارات الخطابية.
يبقى السؤال: هل تتحول الهدنة إلى انطلاقة تنموية، أم استراحة تعود بعدها دوامة التوتر؟ الإجابة في السلوك على الأرض، لا في نصوص الاتفاق. فإن تحوّلت موارد الصراع إلى تنمية، فهي بداية شرق أوسط أكثر أمناً، وإن بقيت الأسباب، سجّلها التاريخ هدنةً بين حربين.
إنّ أهم ما خرجت به المنطقة ليس الاتفاق، بل الدرس الذي سبقه: القوة الرشيدة تحمي السلام، والوحدة تعزّز الأمن، والاستثمار في الإنسان أجدى من الاستثمار في الصراع. وأمام الخليج ركيزتان متلازمتان: منظومة دفاعية متكاملة تحمي المكتسبات، ورؤية تنموية مشتركة تجعل الاستقرار خياراً دائماً، لا هدنة مؤقّتة. عندها فقط نقول إن المنطقة تعلّمت من الحرب أكثر مما تعلّمته من السلام.
*لواء ركن طيار متقاعد.