متى يبدأ الإرث حقاً؟ هل يبدأ عند حصر التركة؟ أم عند توزيعها؟ أم في السنوات التي تعقب ذلك، حين توضع متانة الروابط العائلية تحت الاختبار؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطاً، غير أن الإجابة عنه تتجاوز الإجراءات القانونية والحقوق المالية إلى مساحة أوسع تتصل بالعائلة نفسها، وبقدرتها على المحافظة على تماسكها في واحدة من أكثر المراحل حساسية.
ينصرف الاهتمام، في العادة، إلى الأحكام الشرعية المتعلقة بالإرث، وحصر الموجودات، وتسوية الالتزامات، ونقل الملكيات وفق ما تقرره الشريعة الإسلامية والتشريعات المنظمة لها. وهي جوانب تحظى بعناية مستحقة لما تمثِّله من حقوق. غير أن للإرث وجهاً آخر يتجاوز الممتلكات والأصول، فالإنسان حين يرحل يترك وراءه اسماً اقترن بالعمل والكفاح وحسن السيرة، وعلاقات تأسست على الثقة والاحترام، وتجربة إنسانية أصبحت جزءاً من ذاكرة الأسرة ووجدانها، ومنظومة من القيم والمبادئ التي وجهت مسيرته الشخصية وشكلت ملامح البيت الذي بناه. وهذه العناصر جميعها لا تظهر في وثائق حصر التركة، ولا تدخل ضمن التقديرات المالية للأصول، على الرغم من أثرها العميق في حياة الأبناء والأحفاد. فثمة ما يبقى في الأُسر بعد انقضاء الإجراءات وتقسيم الممتلكات: ذكر حسن، ومكانة اجتماعية، وعلاقات إنسانية، وتاريخ مشترك صنعته الأسرة عبر السنين. ذلك هو الرصيد المعنوي والاعتبار العائلي الذي يتوارثه الأبناء جيلاً بعد جيل.
عُرف عن كبار السن وأهل الحكمة ترجيح العقل ورأب ما ينشأ من شقاق في الأسرة، والسعي إلى جمع كلمتها، إلى جانب ما تؤديه المجالس العائلية من أدوار اجتماعية. إلا أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها العقود الأخيرة أوجدت واقعاً أكثر تعقيداً، فالأصول تنوعت، والاستثمارات تشعبت، والشركات العائلية اتسع نطاقها، وأصبحت عملية انتقال الثروة والمسؤولية بين الأجيال تستدعي قدراً أكبر من العناية مما كانت عليه في السابق. فالأسرة المستقرة أحد مقومات التماسك المجتمعي، ومنها تتشكل شخصية الإنسان، ومن خلالها يتعلم معنى المسؤولية والانتماء والالتزام. وكلما ازدادت قدرة الأُسر على المحافظة على ترابطها، ازدادت قدرتها على المساهمة في بناء مجتمع أكثر وعياً بدور الفرد في الأسرة وفي محيطه.
وهنا يبرز سؤال يستحق التوقف عنده: من يتولى العناية بالمساحة الواقعة بين توزيع الحقوق، وبين ما يترتب عليه من تداعيات على المستوى النفسي والاجتماعي في سياق انتقال الإرث؟ فالقضاء يؤدي دوره في الفصل بين الخصومات وحماية الحقوق، والجهات الشرعية تؤدي دورها في بيان الأحكام المتعلقة بالمواريث، والمؤسسات المالية تدير ما يتصل بالأصول والاستثمارات. غير أن ثمة مساحة أخرى تتقاطع فيها الاعتبارات النفسية والاجتماعية والأسرية مع هذه الملفات، وهي مساحة ما زالت تنتظر معالجة أكثر تكاملاً.
 ولعل من أبرز ما تقتضيه هذه التحديات دراسة إنشاء جهة وطنية متخصصة تُعنى بالاستدامة الأسرية في القضايا المرتبطة بالإرث وانتقال الثروة بين الأجيال. ولا يتعلق الأمر بإنشاء مسار موازٍ للقضاء أو مزاحمة الجهات المختصة، وإنما باستكمال حلقة تتصل بالوقاية والتوعية والإرشاد والوساطة المبكرة. تستند هذه الجهة إلى فريق متعدد التخصصات يضم قضاةً ومستشارين قانونيين، ومتخصصين في الميراث والفقه الشرعي، ومحامين، وخبراء في علم النفس والاجتماع، ووسطاء معتمدين، ومتخصصين في إدارة الثروات والشركات العائلية، إلى جانب باحثين في شؤون الأسرة والتنمية المجتمعية.
تشمل مهام هذه الجهة إعداد برامج وطنية للتوعية، وتنظيم ورش تطبيقية للأسر والشركات العائلية، وإصدار أدلة استرشادية، وتشجيع إعداد المواثيق العائلية، وتعريف الأسر بمفهوم الوصية المعنوية، وإجراء دراسات دورية ترصد التحولات المرتبطة بانتقال مسؤولية الثروة داخل الأُسر. تنبع أهمية هذا الملف من واقع ما تشهده المجتمعات المعاصرة من نزاعات أسرية قد تستغرق سنوات طويلة. فبعض النزاعات لا تعود إلى الأحكام الشرعية أو القانونية المعمول بها في دولة الإمارات، وإنما إلى ضعف المعرفة بها، أو نقص المعلومات المتعلقة بالحقوق والإجراءات، أو إلى ضغوط أسرية، أو إساءة استغلال الثقة، أو تأثير يُمارس على بعض أصحاب الحقوق للتنازل عنها دون فهم أو إدراك كامل لما كفله لهم الشرع والقانون. إذ تُعد التوعية ذات أهمية مضاعفة حين تتصل بحماية الحقوق المقررة شرعاً وقانوناً لجميع الورثة دون استثناء. ويتجلى هذا الجانب بصورة خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة في الإرث، حيث تظل المعرفة الدقيقة بالأحكام والضمانات القانونية أحد أهم السبل لتمكين أصحاب هذه الحقوق من الحصول عليها كاملة غير منقوصة.
لقد أرست دولة الإمارات خلال العقود الماضية نموذجاً متقدماً في دعم المرأة وتمكينها، انطلاقاً من رؤية الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي رأى في المرأة شريكاً أصيلاً في بناء الأسرة والوطن معاً، وقد انعكس هذا النهج في السياسات والتشريعات التي عززت حضور المرأة ومشاركتها في مختلف مجالات التنمية، وضمنت حماية حقوقها المقررة شرعاً في الإرث، وذلك انسجاماً مع الأسس التي قامت عليها رؤية الدولة في إرساء العدالة، وحماية الأسرة وحقوقها المشروعة، وتمكين أفرادها من أداء أدوارهم على الوجه الأمثل.
ولا تؤتي هذه الجهود ثمارها ما لم تجد هذه المفاهيم طريقها إلى المجتمع، فالمنصات الإعلامية والبرامج الحوارية، إلى جانب المجالس المجتمعية والمبادرات التوعوية وموضوعات خطب الجمعة ذات الصلة، تمثل منابر لنشر الثقافة الحقوقية، وتعميق الشعور بالمسؤولية، والمحافظة على ما بناه الآباء والأجداد. لذا فإن الوصية المعنوية تكتسب أهمية خاصة في هذا الإطار، فهي لا تنحصر في الأموال والممتلكات، إذ تتناول ما يحرص الوالدان أو المؤسس على غرسه من قيم ومبادئ، وتوطيد الروابط بين أفراد الأسرة. وهي بذلك تهيئ الأسرة مبكراً لمرحلة انتقال المسؤولية والثروة قبل أن تجد نفسها في مواجهتها.
فالإنسان يظل محور التنمية وغايتها، وحماية حقوقه وتوسيع معرفته بما له وما عليه، وإرساء القيم الأخلاقية والفضائل الإنسانية والوازع الديني، جميعها عوامل تسهم في بناء شخصية أكثر اتزاناً وقدرة على أداء دوره بمسؤولية تجاه نفسه وعائلته، ومن ثم المجتمع والوطن. إذ ترتبط القيم والمبادئ والفضائل ارتباطاً وثيقاً بمستوى وعي الإنسان، فلا يكفي التعرف إليها ما لم يقترن ذلك بوعي يُمكِّن الإنسان من فهمها واستيعابها وتطبيقها في حياته اليومية. فالوعي هو ما يجعل الإنسان أكثر قدرة على إدراك تبعات أفعاله وقراراته.
ثمة أمور لا تدخل في حصر الممتلكات، ولا تظهر في كشوف الأصول: سيرة الآباء، وحرمة الرحم، والعهود غير المكتوبة التي تتوارثها الأسر. تلك هي البصمة التي يتركها الإنسان في الأسرة التي أفنى سنواته في بنائها. وهكذا يتجاوز انتقال الإرث حدود الملكية وتوزيع الحقوق، إذ يتحول إلى قضية إنسانية وحضارية بين الأجيال.
 ولعل أعمق ما في الإرث أنه لا يكشف ما تركه الإنسان وراءه فحسب، فكل جيل يرث ما سبقه من قيم وخبرات، ثم يضيف إلى هذا الإرث من تجربته ما يوسع آفاقه. وهكذا تتواصل رحلة التعلُّم والبناء بين الأجيال، بين ما يُصان من إرث الآباء، وما يُضاف إليه من خبرة الأبناء ووعيهم، حيث تكون كل نهاية بداية جديدة لما بعدها.