ليست أخطر الأزمات التي تعصف بالمجتمعات تلك التي تنشأ من اختلاف المصالح، فالمصالح قابلة للمراجعة والتفاوض والتسوية، وإنما الأخطر أن تتحوّل الانتماءات إلى ساحات صراع، وأن تنتقل الهوية من معناها الهادئ بوصفها وعياً بالذات، إلى معناها المتوتر بوصفها أداةَ تعبئة وفرز وخصومة. حينئذ لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في الرأي أو الموقف، بل يصبح مساساً بصورة الجماعة عن نفسها، وتهديداً رمزياً لما تعدّه جوهرَ كيانها وكرامتها.
في أصلها، ليست الهوية مشكلة، بل حاجة إنسانية عميقة. فالإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بالمعاني التي تمنح وجوده اتجاهاً وذاكرة وانتماء. غير أن هذه الحاجة النبيلة قد تنقلب إلى مصدر اضطراب عندما تفقد ميزانها الأخلاقي، فتتحول من فضاء للتعارف إلى أداة للتمايز الحاد، ومن رابطة للثقة إلى آلية للإقصاء، ومن شعور مشروع بالانتماء إلى نزعة متوترة لا تطمئن إلى ذاتها إلا بنفي غيرها.
ومن منظور علم النفس الاجتماعي، فإن الإنسان لا يطلب الانتماء فقط، بل يطلب من خلاله الاعتراف والتقدير والحماية الرمزية. فإذا ضعفت ثقافة الحوار، وارتفع منسوب الخوف أو الإحباط أو الغضب، صار الانتماء قابلاً لأن يتحول إلى عصبية. عندها لا تعود الجماعة إطاراً للاطمئنان، بل تتحول إلى مرآة متضخمة يرى فيها الفرد ذاته في صورة جمعية متفوقة، ويبدأ النظر إلى المخالف بوصفه خصماً يهدد المعنى والكرامة.
وقد زاد الفضاء الرقمي هذه الظاهرة سرعة وحدة. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تنقل الآراء كما هي، بل تعيد تشكيل الانفعالات وتضخيمها، وتمنح الأفراد شعوراً فورياً بالاندماج في جماعات غاضبة أو محتشدة أو متحفّزة. ومع تكرار التفاعل داخل الدوائر المغلقة، تتكوّن قناعات صلبة، وتضعف القدرة على الإصغاء، ويصبح الرأي المخالف استفزازاً لا فكرة، وخيانة لا اجتهاداً، وعدواناً لا اختلافاً.
وقد كشفت بعض الأحداث العربية المعاصرة عن هذا التحوّل بوضوح، ففي مناسبات رياضية كبرى، خرج التشجيع أحياناً من مجاله الطبيعي بوصفه تعبيراً عن الفرح والتنافس، ليتحوّل إلى معارك رمزية تستدعي التاريخ والجغرافيا واللغة والرموز الثقافية، وكأن المباراة لم تعُد بين فريقين، بل بين ذاكرتين وطنيتين. وفي أزمات سياسية وأمنية، ظهر الأمر بصورة أشد خطورة، حين انقسمت المنصات إلى معسكرات تتبادل الاتهام والتخوين، ويمنح بعضها لنفسه حق توزيع الوطنية ونزعها، بدل الاحتكام إلى منطق الدولة وحكمة المصلحة العامة.ومن منظور علم الاجتماع، لا تكمن العلة في تعدد الهويات، فالتعدد من سنن الاجتماع الإنساني ومن مصادر غنى المجتمعات. الإنسان ابن وطن، ولسان، وثقافة، وذاكرة، وأسرة، وتجربة، ومحيط. غير أن الخلل يبدأ حين يبتلع انتماء واحد سائر الانتماءات، أو حين يُرفع إلى مرتبة الحقيقة الوحيدة، فيتحول من عنصر في بناء الشخصية إلى أداة لاحتكار الشرعية والمعنى والوطنية.ومن هنا تبرز قيمة الدولة الوطنية الجامعة، لا بوصفها خصماً للهويات أو نفياً للخصوصيات، بل بوصفها الإطار العاقل الذي يحمي الانتماءات من الانفلات، ويمنع تحولها إلى قبائل رقمية متخاصمة. فالمواطنة ليست إلغاءً للفوارق، وإنما تهذيب لها داخل مشترك أعلى، تحفظ للناس حقهم في الاختلاف، وتمنع في الوقت ذاته تحويل هذا الاختلاف إلى تخوين أو استعلاء أو كراهية.
إن المجتمعات الرشيدة لا تنتصر بإلغاء التنوع، بل بحسن تنظيمه، وكلما اتسع المشترك الوطني والإنساني، تراجعت قابلية الهويات للتحول إلى أدوات صراع. وكلما ضعفت الروابط الجامعة، ازداد ميل الأفراد إلى الاحتماء بالهويات الضيقة بحثاً عن الأمن النفسي والاعتراف الاجتماعي. ولذلك فإن التحدي الحقيقي في زمن المنصات ليس إدارة الاختلاف وحده، بل إدارة الانفعال الذي يرافقه، فالكلمة الرقمية لا تبقى كلمة عابرة، بل قد تصنع صورة ذهنية، أو تبني ولاءً، أو تؤسس خصومة طويلة الأمد.
إن الهوية تبلغ نضجها حين تمنح صاحبها ثقة لا غروراً، واعتزازاً لا احتقاراً، وانتماءً لا عداءً، وجسراً للمعنى لا متراساً للصدام، وفضاءً للتعارف لا ساحةً للخصام.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة