كثيراً ما تشعر الأمهات الجدد بالقلق حيال كل ما قد يؤثر على صحة أطفالهن، مما يدفع بعضهن إلى فرض قيود صارمة على أنظمتهن الغذائية، استناداً إلى توصيات الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال بتجنب الأمهات المرضعات الأطعمة المسببة للحساسية حمايةً لأطفالهن من الإصابة بالحساسية الغذائية. إلا أن هذه التوصيات لم تكن تستند إلى أدلة علمية قوية، بل إلى آراء الخبراء والنهج الاحترازي، قبل أن تكشف الأبحاث اللاحقة أن هذا التوجه ربما أسهم في تفاقم المشكلة بدلاً من الحد منها.
ورغم أنه لا توجد علاقة معروفة بين إدخال الأطعمة الصلبة مبكراً إلى غذاء الأطفال وبين إصابتهم بالحساسية، فإن منطق الحذر انتصر. وبين عامي 1997 و2008، ارتفع معدل انتشار حساسية الفول السوداني في الولايات المتحدة بنحو 250%. كما ارتفعت معدلات الحساسية الغذائية عموماً بصورة حادة. ولم يقتصر الأمر على أن نصائح الخبراء هذه فشلت في تحقيق الهدف المرجو منها، بل ساهمت في تفاقم المشكلة وحدوث حالات حساسية أكثر. فقد أظهرت أبحاث العقد الماضي أن تعريض الأطفال مبكراً للمواد المسببة للحساسية يحميهم من الإصابة بالحساسية الغذائية.
وعلى العكس من ذلك فإن حرمانهم من هذه المواد يجعل ردود الفعل التحسّسية أكثر شيوعاً. ويُحسب للأكاديمية أنها بدأت التراجع عن هذا الموقف في عام 2008. وبعدها جرى تحديث الإرشادات في أستراليا والولايات المتحدة وأوروبا لتوصي بتعريض الأطفال للأطعمة المسببة للحساسية خلال مرحلة الرضاعة بدلاً من تجنبها. وتُظهر الدراسات الحديثة أن الإرشادات الجديدة تحقق نتائج إيجابية، فقد انخفض معدل حساسية البيض في أستراليا خلال السنوات الأخيرة بنسبة 17%.
ويُعد ذلك تحسناً كبيراً خلال فترة زمنية قصيرة، ومع أن ما يزيد قليلاً على نصف الآباء الأستراليين فقط التزموا بهذه الإرشادات، فإن المجال لا يزال واسعاً لتحسين النسبة. ولسوء الحظ، لا تقتصر مشكلة الإرشادات المفرطة في الحذر على حساسية البيض والفول السوداني فحسب، بل نصح الأطباء المرضى بتجنب صفار البيض أو الروبيان (الجمبري) لاعتقادهم أن ذلك يرفع مستويات الكوليسترول. لكن الدراسات اللاحقة أظهرت أن استهلاك الكوليسترول لا يُحدث فرقاً يُذكر في مستويات الكوليسترول لدى أغلب الناس.
كما كان يُعتقد أن السمن النباتي أفضل من الزبدة، لكن اتضح أن الدهون المتحولة في السمن النباتي، مرتبطة بالإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية. وقد روّج الخبراء للمكملات الغذائية، والمكاتب المخصصة للعمل في وضع الوقوف، واستهلاك الحليب، استناداً إلى أدلة ضعيفة مماثلة. وعندما تكون الثقة في توصية ما غير مبررة، وتتناقض مع الأدلة اللاحقة، فإن الأمر لا يتوقف على صحة الناس فحسب، بل على الثقة في توصيات وآراء الخبراء أيضاً. وتلك الثقة بالغة الأهمية، لأننا نحتاج أحياناً بالفعل إلى الخبراء لإرشادنا. وتُعد جائحة كوفيد-19 أحدث مثال على ذلك. فمن أصعب جوانب القيادة اتخاذ قرارات صعبة في ظل معلومات غير مكتملة، حين لا يكون هناك أي خيار يرضي الجميع.
ولا بد من اتخاذ القرارات، لكن ليس من الممكن أن تُتخذ جميعها بنفس اليقين. وبدلاً من سنوات يحتاج إليها الخبراء عادة لجمع الأدلة، وتحديث الإرشادات، وتغيير الممارسات، لم يُتح لهم سوى أسابيع، وهو ما اضطر القادة إلى اتخاذ قرارات تبيّن لاحقاً أنها محل شك. لكن كان من الأفضل لو اعترف صنّاع القرار علناً بما كانوا يتوقعونه، وعدلوا مواقفهم عندما تغيرت الأدلة. عندما أصدرت المؤسساتُ توجيهاتٍ واثقةً أكبر مما تدعمه البياناتُ وضعت نفسَها في مأزق، مثل قاعدة التباعد الاجتماعي لمسافة مترين تقريباً، والتي يبدو أنها استندت إلى دراسات قديمة بدلاً من معرفة حقيقة الفيروس، لأن التراجع عن هذه التوصيات كان سيعني الاعتراف بأن الثقة السابقة لم تكن مبررةً. لذا فضّلت وكالاتُ الصحة العامة، ومن بينها مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، التريثَ، وظلّت التوجيهاتُ ساريةً، فتفاقمت الشكوك، وفقدت المؤسساتُ مصداقيتَها. ومع ذلك، توجد مؤسسة واحدة تتعامل مع الأمر على النحو الصحيح. ففريق الخدمات الوقائية الأميركي يمنح كل توصية درجة تقييم، تبدأ من أعلى درجة للدلالة على وجود يقين مرتفع بفائدة كبيرة، وتنتهي بدرجة تشير إلى عدم كفاية الأدلة لاتخاذ قرار.
ولا تُلزم تغطية التأمين الصحي إلا التوصيات الحاصلة على أعلى التقييمات. كما يقوم الفريق بصورة دورية بمراجعة الأدلة العلمية وتحديث توصياته وفقاً لما يستجد من معطيات. غير أن وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية أقالت مؤخراً قيادةَ الفريق وعطلت عملَه لأكثر من عام، مما يهدد إحدى المؤسسات القليلة في الطب الأميركي التي تتبع هذا النهج السليم.ويقدّم هذا الفريق نموذجاً يُحتذى به في جميع التوصيات الصحية.
فلا ينبغي للمؤسسات أن تكتفي بإخبار الناس بما يجب عليهم فعله، بل يجب أن توضح للجمهور مدى ثقتها في جميع التوصيات الصحية وأسباب ذلك. كما ينبغي لها أن تُحدِّث توصياتِها عندما تتغير الأدلة العلمية. وإذا لم تكن هناك حالة طوارئ أو كانت الأدلة ضعيفة، فعليها أن تصرح بذلك بوضوح، أو أن تلتزم الصمت.
*رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمنظمة «أكاديمي هيلث» الأميركية غير الربحية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»