انتهت الحرب في إيران، على الأقل في الوقت الراهن، واستخدمت الولايات المتحدة كميات هائلة من الذخائر الحيوية، مثل الصواريخ بعيدة المدى، لدرجة أن استعادة المخزونات يصعب تحقيقها إلا في عهد الرئيس القادم. كما أن المكاسب الحقيقية في الأجور التي حققها الأميركيون خلال السنة والنصف الأولى من رئاسة ترامب قد تلاشت بفعل ارتفاع الأسعار الناتج عن إغلاق مضيق هرمز.
وبات الحرس الثوري، المسؤول عن جزء كبير من السلوكيات العدائية في البلاد، يُحكم قبضته على الحكومة أكثر من قبل.
ومن جهة أخرى، تراجعت القدرات العسكرية الإيرانية، التي تُهدد حلفاء الولايات المتحدة وقواعدها، بشكل ملحوظ، حيث دُمر ما يقارب نصف منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة. لكن يمكن إعادة بناء هذه القدرات من خلال تخفيف العقوبات بعد الحرب، إضافة إلى المساعدة الخارجية. وقد يؤدي الضرر الاقتصادي والسياسي البالغ الذي ألحقته الحرب إلى تردد الرؤساء الأميركيين المستقبليين قبل شن حرب شاملة أخرى.
ويعتبر أول تلك الدروس أن تغيير النظام هدف حربي محفوف بالمخاطر. ومن المدهش أن الولايات المتحدة اضطررت إلى تعلم هذا الدرس مرة أخرى، فبعد فشل حرب إسقاط الحكومة العراقية في عهد إدارة جورج دبليو بوش، بدا من المستبعد أن تُعلق واشنطن آمالها الاستراتيجية مجدداً على التحول السياسي في الشرق الأوسط بالقوة العسكرية.
لكن هذا ما فعله ترامب بالضبط، إذ أعلن مع بداية الحرب أن كل ما يريده هو حرية الشعب الإيراني، مردداً بذلك شعار بوش أثناء حرب العراق. وكانت هناك أهداف أكثر واقعية أيضاً، لكن القمع الوحشي الذي مارسته إيران ضد الاحتجاجات الشعبية الواسعة المناهضة للنظام في يناير هو ما دفع إلى خوض الحرب. وأسفرت الضربات الأولى في الهجوم الأميركي الإسرائيلي عن مقتل عدد من القيادات السياسية الإيرانية، حيث أبلغ الإسرائيليون ترامب بأن تغيير النظام احتمال وارد. وعندما لم يتحقق ذلك، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حرب مفتوحة بلا سقف زمني محدد. والأخطر أن استهداف قمة هرم السلطة الإيرانية جعل القيادات المتبقية أقل قابلية للردع وأكثر استعداداً لاتخاذ خطوات تصعيدية، مثل إغلاق مضيق هرمز.
أما الدرس الثاني فهو القيود التي تواجهها الولايات المتحدة، وبينها القيود العسكرية. فحتى في حرب جوية وبحرية ذات خسائر أميركية قليلة، فإن اختراق الدفاعات الجوية واستخدام القنابل الدقيقة سيجعل الولايات المتحدة عرضة للهجوم بشكل خطير.
وفي إيران، واجه ترامب كلا القيدين، فضعف الاتفاق الذي أبرمه، حيث تحصل إيران على دعم اقتصادي مقابل فتح مضيق هرمز، يعكس ببساطة القيود التي جعلت الحرب خياراً صعباً فيه منذ البداية. وكان فتح المضيق بالقوة سيستلزم استنزاف مخزونات «البنتاجون» من الأسلحة، وربما تعريض المزيد من أرواح الأميركيين للخطر بنشر قوات برية على السواحل الإيرانية.
كما أن استمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية كان سيُبقي أسعار الطاقة مرتفعة لفترة أطول، مما يُقوض وعد ترامب الانتخابي الأساسي بخفض التضخم، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. ولذلك، فإن مطالبة ترامب بإبداء مزيد من «الحزم» تجاه إيران ليست سوى تعبير مُلطف للقول بأنه كان ينبغي أن يكون مستعداً لتحمل المزيد من الأضرار السياسية والاقتصادية. أما الدرس الثالث المستفاد هو أهمية اشتراط تفويض الكونجرس بشن الحرب، الالتزام بالدستور الأميركي. ذلك لأنه يضمن عدم بدء صراع كبير دون وجود التزام قوي بما يكفي لتحقيق النصر.
*كاتب متخصص في السياسة الخارجية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»