ليست الوصية الواجبة خروجاً على علم الفرائض، ولا إضافةً عاطفيةً إلى نظام المواريث، وإنما هي اجتهاد فقهي وقانوني نشأ في منطقة دقيقة بين صرامة النص ورحابة المقصد، حيث لا تكفي المعادلة الحسابية وحدها لفهم كل ما تتركه الوفاة من آثار في الأسرة والرحم. فالأصل أن المواريث في الشريعة جاءت بأنصبة مقدرة، لا يملك الإنسانُ أن يعيد ترتيبَها بهواه، ولذلك استقر جمهورُ الفقهاء على أن الوصية للوارث لا تنفَّذ إلا بإجازة الورثة، استناداً إلى حديث «لا وصية لوارث». غير أن آية الوصية في قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» بقيتْ حاضرةً في النظر الأصولي، لا سيما في حق الأقربين غير الوارثين. ومن هذه المساحة وُلد السؤال: ماذا لو مات الابن أو البنت في حياة الجد أو الجدة، ثم مات الجد بعد ذلك، فخرج الأحفاد من الميراث بحكم الحجب، مع أنهم امتداد مباشر لمن كان سيرث لو بقي حياً؟ هنا لا ينازع الفقيه في أصل قاعدة الحجب، ولا يعبث المشرّعُ بأنصبة الفرائض، وإنما يبحث الاجتهادُ عن موضع آخر داخل البناء الشرعي نفسه: موضع الوصية في حدود الثلث. فالوصية الواجبة لا تجعل الحفيد وارثاً، ولا تنقض ترتيب الورثة، ولا تعيد هندسة القسمة، بل تُنشئ حقاً سابقاً على التوزيع، مستنداً إلى معنى قرآني معتبر، وإلى اجتهادات فقهية قديمة رأت أن للأقربين المحجوبين حقاً لا ينبغي أن يُترك لمحض التبرع أو صفاء النفوس.وقد وجد هذا المعنى سنده عند بعض السلف، وبرز بصورة أكثر وضوحاً عند ابن حزم الظاهري، ثم أعادت التشريعات العربية الحديثة صياغتَه في قاعدة قانونية ملزمة. ففي مصر قرر قانون الوصية رقم 71 لسنة 1946، ولا سيما المادة 76، حقَّ الأحفاد في وصية واجبة بقدر نصيب أصلهم لو كان حياً، على ألا يتجاوز ذلك ثلث التركة. وفي المغرب نظمت مدونةُ الأسرة هذا الحق في المواد من 369 إلى 372، مقرِّرةً الوصيةَ الواجبةَ لأولاد الابن وأولاد البنت. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة نص المرسومُ بقانون اتحادي رقم 41 لسنة 2024، في المادة 179، على استحقاق أولاد الابن وأولاد البنت، وإن نزلوا، وصية واجبة ضمن الضوابط القانونية وفي حدود الثلث.
والدقة هنا أن هذه القوانين لم تنقل المسألة من الشريعة إلى خارجها، بل نقلتها من الندب الأخلاقي إلى الإلزام القانوني، حين رأت أن ترك الأحفاد المحجوبين بلا جبر قد يحوّل الوفاة من ابتلاء عائلي إلى قطيعة مالية ونفسية. فالفرائض تضبط انتقال المال، والوصية الواجبة تجبر ما قد ينكسر في الرحم بسبب وفاة سابقة وحجب لاحق.
لذا فالقيمة الحقيقية للوصية الواجبة ليست في مقدارها المالي فحسب، بل في تكييفها الأصولي: فهي ليست ميراثاً مستتراً، ولا وصية اختيارية خالصة، بل تدبير شرعي قانوني يعمل في المساحة التي أذن بها الشرع للوصايا، ويحفظ في الوقت نفسه هيبة الفرائض. إنها مثال على اجتهاد لا يصادم النص، ولا يستسلم لقسوة الأثر، بل يستنطق الممكنَ الفقهيَّ لتحقيق العدل بأدوات من داخل المنظومة نفسها.
ومن هنا تبدو الوصيةُ الواجبةُ درساً في فقه المآلات، إذ تعلمنا أن المحافظة على أحكام الشريعة لا تعني تجميدَ النظر، وأن الرحمة لا تكون رحمة شرعية إلا إذا سكنت داخل الضوابط. فالعدل في المواريث ليس رقماً مجرداً، بل نظام يوازن بين الحق والمآل، بين القسمة والصلة، بين القطعي في النص والإنساني في الواقع. ولهذا يمكن القول إن الوصية الواجبة ليست خصماً للفرائض، بل جسرٌ بين ضبط القسمة ورحمة الرحم.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة