يصعب اليوم تجنُّب التعامل مع الشركات الأكثر قيمةً في العالم. فإحدى هذه الشركات تصنِّع هاتف «آيفون»، وأخرى توصِّل الطّرود إلى باب منزلك، وثالثة طوّرت نظام التشغيل «ويندوز» المستخدم في أماكن العمل حول العالم، بينما تنتج شركة أخرى الرقائق الإلكترونية التي تشغِّل عدداً لا يُحصى من الحواسيب والهواتف. وهناك أيضاً الشركة التي تقف وراء محرك البحث الشهير «غوغل». ثم تأتي «سبيس إكس»، شركة الصواريخ الناشئة المملوكة لإيلون ماسك، والتي تتكبّد خسائر مالية، لكنها نجحت في الارتفاع إلى مصاف عمالقة التكنولوجيا بفضل سلسلة من الخطط الطموحة والاستثنائية، لا بفضل منتجات منتشرة على نطاق واسع. وبلغت القيمة السوقية للشركة أكثر من 2.4 تريليون دولار، لتصبح سادس أغلى شركة قيمة في العالم.
وتستند القيمة السوقية للشركة إلى وعود تتعلق بإقامة مراكز بيانات في الفضاء وإنشاء مستعمرة تضم مليون شخص على كوكب المريخ. وهي فكرة بدت بعيدة المنال إلى درجة أن ثلاثة خبراء حلّلوا العوامل التي تدفع قيمة سبيس إكس السوقية ورفضوا منح هذا المشروع أي وزن يُذكر في تقييم الشركة، رغم أن تعويضات ماسك مرتبطة بتحقيق هذا الهدف. وقال غريغ مارتن، المدير التنفيذي للأسواق الخاصة في شركة «رين ميكر سيكيوريتيز»: «لو قال أي شخص آخر هذا الكلام، لربما أُودع مصحة عقلية»، لكنه أشار إلى أن ماسك نجح سابقاً في تحقيق وعود طموحة للغاية.
وقد انضمت «سبيس إكس» إلى صفوف القوى الكبرى في قطاع التكنولوجيا بعد وعود ضخمة بشأن قدرتها على الهيمنة على اقتصاد الفضاء الناشئ. فالشركة، التي تكبّدت خسائر بلغت 13 مليار دولار منذ بداية عام 2023، تسعى إلى أن تُصبح مركزاً للحوسبة في المدار الفضائي، مستفيدةً من الطاقة الشمسية للتشغيل ومن برودة الفضاء الشديدة للتبريد، وهي فكرة أثارت الشكوك.
وقال ماسك، مؤخراً، إن وضع مراكز البيانات في الفضاء «كان دائماً» هو الحل، إذ أن القدرة على التوسع هناك تفوق ما يمكن تحقيقه على الأرض بمقدار هائل. ورغم سجلِّ ماسك الحافل بالمبالغة في الوعود، فإن إطلاق أسطول من مراكز البيانات إلى المدار يُؤخذ يجدية في بعض الأوساط.
ومع أن شركة «سبيس إكس» لا تملك حتى الآن نموذجاً أولياً لمركز بيانات فضائي، فقد أبرمت شركاتٌ مثل «أنثروبيك» و«غوغل» صفقات معها لاستئجار سعة مركز بياناتها على الأرض، وهي بداية لخط أعمال تأمل الشركةُ في توسيعه بشكل هائل.
ومن جانبه، قال بن وايلد، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة «هابل نتوورك»، وهي شركة اتصالات تعتمد على الأقمار الاصطناعية لبناء شبكة اتصالات عالمية قائمة على تقنية البلوتوث لخدمة قطاع الشاحنات وغيرها من الصناعات، إنه كان متشككاً في البداية، لكنه أصبح الآن مقتنعاً بإمكانية تنفيذ مراكز البيانات الفضائية من الناحية التقنية، وبأنها قد تكون مجدية اقتصادياً إذا توافرت ظروف معينة. وأضاف: «من الناحية التقنية، فإن الأُسس التي تقوم عليها مراكز البيانات المدارية سليمة. وفي المدار المناسب يمكن توليد طاقة شمسية مستمرة، والتخلص من الحرارة مباشرة إلى الفضاء، وهو ما يزيل اثنين من أكبر القيود التي تواجه البنية التحتية الأرضية للذكاء الاصطناعي». وأوضح وايلد أن مراكز البيانات الفضائية قد تُساهم في تخفيف الازدحام في البنية التحتية الأرضية، لا سيما مع «تأخيرات التراخيص، وقيود الطاقة، والطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي، وهي عوامل تُصعب بناءَ قدرات أرضية جديدة».
ولم تُعلِّق شركة «سبيس إكس»، ولا إيلون ماسك، على ذلك، لكن الشركة قدّمت أسبابَها المؤيدة لإنشاء مراكز بيانات في الفضاء في وثائق قبل طرحها الأولي القياسي للاكتتاب العام ودخولها أسواق المال الأسبوع الماضي، والذي جعل ماسك أول شخص في العالم تتجاوز ثروته تريليون دولار. وقالت الشركة إن الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام التي تطورها، وقدراتها واسعة النطاق في تصنيع الأقمار الاصطناعية، وخبرتها التشغيلية.. كل ذلك يتيح نشر مجموعات ضخمة من أقمار الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي بصورة سريعة وبتكلفة فعالة، وربما يصل عددُها ملايين الأقمار الاصطناعية، لتُشكّل مراكز بيانات مدارية.
وأضافت أن هذه الأقمار الموجودة في مدارات متزامنة مع الشمس ستكون قادرةً على تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي كثيفة الاستهلاك للطاقة. لكن الشركة أقرت في الوقت نفسه بوجود مخاطر جسيمة، موضحةً أن الفضاءَ بيئة معادية بطبيعتها، ولم يسبق لأي جهة أخرى، تشغيل أو محاولة تشغيل حوسبة ذكية مدارية.
ورغم عدم إحراز تقدم ملموس في تحقيق هدفيها الأكثر طموحاً، وسجلّها الحافل بالخسائر الفادحة، استقطبت شركة «سبيس إكس» اهتماماً استثمارياً هائلًا عند طرحها للاكتتاب العام الأسبوع الماضي.
وسبق طرحها القياسي للاكتتاب العام بقيمة 75 مليار دولار موجة ارتفاع دفعتها إلى قائمة الشركات التقنية العملاقة. وقد زاد إيلون ماسك من حماس المستثمرين، متوقعاً أن «سبيس إكس» قد تتمكن من تحقيق إيرادات تقارب تريليون دولار في عام 2030، قبل أن يتوقع أن تتجاوز الإيرادات هذا الرقم في العام التالي.
ولكي تبرر الشركة استحقاقَها قيمةً توازي شركات مثل «آبل» و«مايكروسوفت»، عليها أن تحول نفسَها إلى قوة كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي. ففي هذا الأسبوع أعلنت استحواذَها على الشركة المطورة لأداة الذكاء الاصطناعي «كيرسر»، في صفقة قدّرت قيمة الشركة الناشئة بنحو 60 مليار دولار.
ومع ذلك، شكك مارتن في قدرة الشركة على تنفيذ بعض مشروعاتها الطموحة، وعلى رأسها نشر أعداد هائلة من الأقمار الاصطناعية ومراكز البيانات الفضائية، معتبراً أن جزءاً كبيراً من قيمتها السوقية يستند إلى رهانات مستقبلية لم تَثبت جدواها بعد. 
أما جيمس داو، أستاذ التمويل في كلية لندن للأعمال، فرأى أن التقييم الضخم لـ«سبيس إكس» يثير تساؤلات حول طبيعة حماس المستثمرين، وما إذا كانوا على دراية حقاً، أم أن الأمر مجرد تحمُّس لرؤية ماسك والصورة التي يقدم بها نفسه. 
*صحفي متخصّص في شؤون التكنولوجيا والأعمال
 **صحفية متخصّصة في شؤون التكنولوجيا ووادي السيليكون 

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»