في عالم البحار، تعيش سمكة صغيرة تُعرف باسم «الريمورا» أو «اللزّاق»، اشتهرت بقدرتها على الالتصاق بأسماك القرش والحيتان والسلاحف البحرية، حيث تحصل من خلال هذه الحيلة الطبيعية الذكية على وسيلة نقل مجانية وحماية من المفترسات، مع الاستفادة من بقايا الطعام التي تتركها هذه الكائنات.
وفي المقابل، تؤدي دوراً نافعاً حين تتغذى على بعض الطفيليات العالقة بجلد القرش، مع تنظيف ما يعلق بين أسنانه من هذه البقايا. ولعل هذه العلاقة البيولوجية اللافتة تذكّرنا بنموذج يمكن مشاهدته في بعض الأوساط الثقافية والإعلامية العربية، فكما عرفت الطبيعة سمكة «الريمورا»، عرفت هذه الأوساط أيضاً ما يمكن تسميته مجازاً بـ«مثقف الريمورا».
وهذا المثقف ليس بالضرورة جاهلاً أو قليل الاطلاع، بل إن بعضهم قارئ جيد ويتمتع بقدرة على التحليل والجدل، لكن المشكلة لا تكمن في مستوى معرفته، وإنما في طبيعة حضوره ودوره. فهو نادراً ما يبادر إلى إنتاج مشروع فكري أو ثقافي متكامل، ونادراً ما يقدّم محتوى أصيلاً يضيف إلى المجال الذي ينشط فيه، لكنه يظل حاضراً باستمرار عبر التعلق بما ينتجه الآخرون.
وفي الوقت الذي يقضي فيه الكاتب أو الباحث أو الإعلامي الجاد ساعات طويلة في القراءة والبحث والتحضير والإنتاج، يأتي «مثقف الريمورا» ليجعل من هذا الجهد مادته الأساسية، ولا يشغله كثيراً جوهر الفكرة أو قيمة العمل، بل ينصرف إلى البحث عن هفوة لغوية هنا، أو زلة تعبير هناك، أو اجتهاد يمكن تحميله ما لا يحتمل، لتتحول مساهمته الثقافية من صناعة الأفكار إلى مراقبة صانعيها.
ولا تكمن المشكلة في النقد ذاته، فالنقد الجاد ضرورة لأي مجتمع حي، بل إن الحضارات تتقدم بالحوار والنقد والمراجعة المستمرة، غير أن الفارق كبير بين النقد الذي يهدف إلى تطوير الفكرة وتحسينها، والنقد الذي يعتمد على التربص والتصيد واستثمار الأخطاء الصغيرة من أجل هدم الجهد بأكمله أو تشويه صاحبه.
ومع الوقت، يتحوّل بعض «مثقفي الريمورا» إلى حالة من الاعتماد الكامل على إنتاج الآخرين، فهم يحتاجون باستمرار إلى المثقف المجتهد أو الإعلامي المثابر كي يواصلوا حضورهم، وإذا توقف أصحاب المبادرات عن الكتابة أو الإنتاج، وجد هؤلاء أنفسهم بلا مادة يتغذون عليها. ولهذا تراهم أكثر نشاطاً في المنصات الرقمية، ولاسيما منصة «إكس»، حيث تسمح طبيعة التفاعل السريع بتحويل أي خطأ عابر إلى معركة طويلة، وأي اجتهاد بشري إلى مناسبة للتشهير أو الاستعراض.
واللافت أن هذا النموذج يجمع أحياناً بين الانتهازية والعدوانية في آن واحد، لأنه يستفيد من شهرة الآخرين وحجم التفاعل الذي يحققونه، ثم يهاجمهم بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى وجودهم، وإذا تجاهله صاحب الفكرة أو لم يمنحه الاهتمام الذي يبحث عنه، ازداد حدة في نقده وتصعيده، وكأن الهدف لم يعد مناقشة الفكرة، بل انتزاع الاعتراف والحضور.
وهذا بدوره يقودنا إلى حقيقة مؤكدة أن المشهد الثقافي العربي بحاجة إلى مزيد من النقد المسؤول، والتمييز بين الناقد الحقيقي الذي يسهم في تطوير الأفكار، والمتطفل الذي يقتات على جهود الآخرين، فالثقافة لا تزدهر بمن يراقبون المبدعين من مقاعد المتفرجين، بل بالمشاركة في إنتاج المعرفة وصناعة الأفكار وإثراء الحوار العام. أما من يعيشون حصراً على ما ينتجه غيرهم، فسيبقون أقرب إلى سمكة «الريمورا»: حاضرين دائماً لكنهم نادراً ما كانوا أصحاب مبادرة أو قادة للرحلة!

*كاتب وإعلامي إماراتي