أعادت التحولات المتسارعة في البيئة الإعلامية العالمية تعريف مفهوم الأمن الوطني، بعدما أصبح الإعلام الرقمي عنصراً مؤثراً في تشكيل الرأي العام وصياغة الوعي المجتمعي. ومع التدفق الهائل للمعلومات واتساع تأثير المنصات الرقمية، لم تعُد التحديات التي تواجه الدول مقتصرة على الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية، بل امتدت إلى فضاء أكثر تعقيداً يتمثل في حماية الوعي العام وتعزيز قدرة المجتمع على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل.
وفي هذا السياق، جاءت الدورة الحادية عشرة من منتدى الإعلام الإماراتي، التي نظمها نادي دبي للصحافة تحت شعار «الإمارات خط أحمر»، لتناقش دور الإعلام الوطني في حماية الوعي المجتمعي وتعزيز الثقة وترسيخ التلاحم الوطني، في مرحلة تتسم بتداخل المتغيرات الإقليمية والدولية وتشابك التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية.
لم يعُد الإعلام يُطرح بوصفه قطاعاً مستقلاً أو أداة اتصال تقليدية، بل باعتباره جزءاً من منظومة وطنية متكاملة ترتبط بالجاهزية وإدارة الأزمات وتعزيز قدرة المجتمع على التكيف مع التحولات. ومن هنا، تجاوز النقاش قضايا التطوير المهني إلى موضوعات أكثر ارتباطاً بمتطلبات المرحلة، وفي مقدمتها حماية الوعي المجتمعي وبناء خطاب وطني قادر على التفاعل مع بيئة إعلامية عالمية متغيرة. ويعكس شعار «الإمارات خط أحمر» رؤية تؤكد أن استقرار الدولة ومنجزاتها يمثلان أساس العلاقة بين المجتمع ومؤسساته.
وقد كشفت نقاشات المنتدى تحولاً واضحاً في وظيفة الإعلام داخل التجربة الإماراتية، إذ أصبح شريكاً في بناء الوعي وتوضيح الحقائق والتعامل الاستباقي مع الأحداث. وينسجم هذا التوجه مع الرؤية الملهمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، التي تنظر إلى الإعلام بوصفه شريكاً في التنمية وحصناً فكرياً مهمته صون الهوية وحماية المكتسبات الوطنية.
كما أكدت الطروحات في المنتدى أن الصورة الوطنية لا تُبنى بالرسائل الإعلامية وحدها، بل تستند إلى واقع مؤسسي واقتصادي واجتماعي يعكس الاستقرار والإنجاز. فكلما ارتبط الخطاب الإعلامي بتجربة واقعية ملموسة، ازدادت قدرته على التأثير والإقناع، لأن مصداقيته تنبع من نجاح السياسات وكفاءة المؤسسات وما تحققه الدولة من نتائج على أرض الواقع. وفي هذا الإطار، يؤدي الإعلام الإماراتي دوراً يتجاوز وظيفة الاتصال ليصبح أداة لتعزيز القوة الوطنية، من خلال ترسيخ الثقة داخلياً، ودعم حضور الدولة خارجياً، وتحقيق توازن دقيق بين سرعة تداول المعلومات وضرورة التحقق منها، وبين حق المجتمع في المعرفة ومتطلبات الحفاظ على المصالح الوطنية. وهو تحول يعكس انتقال الإعلام من مفهوم نقل الأحداث إلى مفهوم أوسع يرتبط بإدارة الثقة وصناعة الاستقرار. وتتسع هذه المسؤولية في ظل التحولات التي شهدها المشهد الإعلامي خلال السنوات الأخيرة، مع تنامي تأثير صناع المحتوى والمؤثرين الإماراتيين. فلم يعُد التأثير حكراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح موزعاً بين منصات متعددة قادرة على الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور، ما يجعل إنتاج محتوى مهني وواعٍ جزءاً أساسياً من منظومة الاتصال الوطني. كما يعكس المنتدى جانباً مهماً من التجربة الإماراتية في التعامل مع المتغيرات المتسارعة، حيث نجحت دولة الإمارات في بناء نموذج يقوم على قوة المؤسسات والرؤية المستقبلية والقدرة على التكيف مع المستجدات. وقد تحقق ذلك من خلال منظومة متكاملة تعتمد على الكفاءة وسرعة الاستجابة والتواصل المستمر مع المجتمع، بما يربط الإعلام مباشرة بمسارات التنمية والاستقرار والجاهزية الوطنية.
وفي المحصلة، يبرز منتدى الإعلام الإماراتي رؤية تؤكد أن الإعلام شريك أساسي في بناء الوعي الوطني. فلم تعد حماية الوطن مرتبطة بعناصر القوة المادية وحدها، بل تشمل أيضاً حماية الوعي وصون الثقة المجتمعية ومواجهة محاولات التضليل والتشويش. وفي عالم تتزايد فيه المنافسة على تشكيل الإدراك وصناعة الصورة، يصبح الإعلام المسؤول أحد أهم أدوات حماية المكتسبات الوطنية وترسيخ الثقة بالمستقبل، بما يعزّز استدامة التنمية ويدعم جاهزية الدولة لمواجهة تحديات الغد.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.