ردود الفعل الإسرائيلية في مرحلة ما بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية الايرانية تأتي في سياقات محددة ضمن محددات حاكمة للموقف الإسرائيلي تجاه إيران، خاصة ما بعد وقف إطلاق النار والانخراط الأميركي في مفاوضات متعلقة بالقضايا الكبرى، وأهمها النووي والفضائي وبرنامجا التعويضات والعقوبات، الأمر الذي ترفض إسرائيل أن يكون على حساب أمنها القومي، باعتبار أن إيران خطر وجودي يجب التعامل معه، بصرف النظر عن تقبلها أو تحفظها عما يجري، حيث يتفق المستويان السياسي والعسكري على أن التعامل مع إيران يجب أن يتم وفق حلول نهائية.
إسرائيل تتجاوب مع الطرح الأميركي بما في ذلك لبنان، وتقبل فكرة الانسحابات الجزئية، مع مراقبة سلوك إيران خلال الـ 60 يوماً، ووضع استراتيجية مجابهة حقيقية للتعامل مع عدم استبعاد أي خيار في التعامل، وهو ما تتخوف من تبعاته الإدارة الأميركية، حيث يمكن دخول إسرائيل على خط التعامل في أي توقيت، وإرباك المشهد بصورة أو بأخرى أو على الأقل تعطيل تنفيذ الاتفاق، وإخراجه من الوضع الراهن، والدخول في الملفات الأخرى التي ستحتاج وقتاً وحسماً مع الإدراك بأن إيران تسعى للخروج بأكبر قدر من المكاسب في ظل رهانات بأن الرئيس ترامب يستعجل تنفيذ الاتفاق، والانتقال تدريجياً إلى المرحلة التالية منه، والتي ستكون صعبة وشائكة، وفي ظل تكتم على ما يجري، وهو ما تتخوف من تبعاته إسرائيل، وترى أن التعامل مع إيران يجب أن يكون حازماً ومباشراً، وألا تتبع الإدارة الأميركية أنصاف الحلول تحت أي مسمي، وألا تقبل بعودة إيران للإقليم، مع بقاء قواتها النووية والصاروخية، وهو أمر ترفضه إسرائيل بالكامل.
ولهذا فإن المستوى العسكري في إسرائيل يحذر من ترك زمام الأمور للإدارة الأميركية أو استمرار التجاذب معها حول الأولويات المهمة، والعمل على تبني استراتيجية استباقية، مع إبقاء الأمور في إطار من التحديات الرئيسة، التي يمكن أن تعمل عليها الإدارة الأميركية بالتنسيق مع إسرائيل، خاصة أن التنسيق الأمني والاستخباراتي والعسكري يتم عبر الغرفة الاستراتيجية بين البلدين، ولم ينقطع بل تزايد بصورة كبيرة، وستظل إسرائيل تعمل على استئناف حرب الظل تجاه إيران، ولن تتراجع عن مساراتها في أي مواجهة، وخلال المدة الأولى من مراحل تنفيذ الاتفاق ستظل إسرائيل بالقرب مما يجري، مع التأكيد على أن خياراتها العسكرية تستبق خياراتها السياسية.
ستظل الترتيبات الأمنية الإسرائيلية مطروحة وجارياً تثبيتها على الأرض في لبنان – رغم ما يطرح بالانسحابات الشكلية، وفي إطار ما يعرف بالمناطق العازلة، مع تعقيم هذه المناطق إلى ما بعد الليطاني، وإعادة ترسيم أولوياتها على غرار ما جرى في قطاع غزة، ما يؤكد أن إسرائيل لن تتراجع عن ترتيباتها الأمنية، وتأهباً لأي فشل قد يطرأ بين الولايات المتحدة وإيران، وبما يعطي دلالات مهمة بأن إسرائيل لن تقبل بإعادة تعويم النظام الإيراني، أو أن يظل مهدداً لأمنها القومي، مع ترقب ما يجري بالفعل في الكونجرس، خاصة بعد إجراء انتخابات التجديد النصفي، ما قد يغيِّر من تفاصيل ما يجري أميركياً.
في كل الخيارات المستقبلية، لن تترك إسرائيل إيران، بل ستناور في إعادة استئناف العمل العسكري، بما قد يدفعها في مراحل محددة وأثناء مدة الـ 60 يوماً إلى الدخول على الخط من خلال العمل العسكري والاستخباراتي المنضبط، مع التحسب لاحتمالات رد الفعل الأميركي الساعي لاستمرار الاتفاق وتفعيل بنوده رغم أن الإدارة الأميركية تضع في مقاربتها احتمال دخول إسرائيل في توقيت معين لإفشال الاتفاق، خاصة أن إسرائيل ستظل تبحث وسائل الحصول على المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب بأي طريقة..
في كل الخيارات الواردة، فإن إسرائيل لن تتراجع، وستذهب إلى خياراتها الصفرية في التعامل مع إيران، وأن ما يجري بين الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو مجرد توافقات هشة ليس أكثر، وستقرر إسرائيل في كل الأحوال مسارها مع إيران عسكرياً واستراتيجياً.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.