على مدى نصف القرن الماضي، سيطرت لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) بشكل كبير على الانتخابات في كلا الحزبين السياسيين. وهدّدت اللجنة معارضيها، وتفاخرت بهزيمة أحد منتقدي إسرائيل، جاعلة إياه عبرة للآخرين. إلا أن الانتخابات التمهيدية للحزب «الديمقراطي» التي جرت الأسبوع الماضي في نيويورك، والتي فاز فيها ثلاثة من منتقدي السياسات الإسرائيلية على مرشحين مدعومين من «أيباك»، قد تُمثّل نهاية حقبة اللوبي المؤيّد لإسرائيل. واتبعت «أيباك» نهجاً ذكياً في السياسة والانتخابات.

فقد تأسست من قبل مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى، وكانت مرتبطة منذ البداية بشبكة وطنية واسعة من القادة والناشطين، والأهم، المانحين، الذين استغلتهم بفعالية للتأثير على أعضاء الكونجرس والشيوخ لتبنِّي مواقف مؤيدة لإسرائيل. ولم تكتفِ بطلب دعم المسؤولين المنتخبين في واشنطن لتأييد تشريعات محددة، بل استعانت «أيباك» بقادة محليين في دوائر أعضاء الكونجرس لعرض أفكارها.

وكان الممثلون المحليون يعرضون على المرشحين الجدد المساعدة في صياغة مواقفهم السياسية تجاه الشرق الأوسط، حيث تضمنت الزيارات والعروض ضمنياً وعداً بالدعم إذا استجاب المسؤول المنتخب أو المرشح للطلب، وتهديداً بالمعارضة في حال عدم استجابته.ولدعم نفوذها، أنشأت «أيباك» شبكة من لجان العمل السياسي التي جمعت مئات الآلاف من الدولارات لتوزيعها لصالح أو ضد المرشحين بناءً على مواقفهم من إسرائيل، رغم نفيها تنسيق عمل تلك اللجان الذي يمثّل انتهاكاً لقوانين الانتخابات. ونظراً لأن أغلب اللجان كان يرأسها أعضاء مجلس إدارة «أيباك» أو عائلاتهم، ولأن نمط تبرعاتهم كان منظّماً بشكل معين، فقد كان من الواضح وجود تنسيق فعلي. كما اتبعت «أيباك» نهجاً استراتيجياً في عملياتها، حيث تلقّى رؤساء لجان الكونجرس المهمة وأعضاء الكونجرس الداعمون لإسرائيل، والذين واجهوا انتخابات إعادة انتخاب صعبة، تبرعات مجمّعة. وإذا تجاوز المسؤولون المنتخبون الخطوط الحمراء مراراً، كان خصومهم يحصلون على مبالغ طائلة من لجان العمل السياسي ومن التبرعات.

ولم تكن الأموال التي تنفقها ضخمة، مقارنةً بالإنفاق الانتخابي الأميركي، لكنها كانت كافية لإرسال رسالة سياسية. فقبل أربعة عقود، بلغ إجمالي ما قدّمته لجانها ومانحوها نحو أربعة ملايين دولار في كل دورة انتخابية، وحصل عدد قليل من المرشحين على الجزء الأكبر منها. وعندما خسر بعض منتقدي إسرائيل انتخاباتهم أمام مرشحين دعّمتهم «أيباك»، كان هدفها توجيه رسالة إلى بقية المسؤولين المنتخبين: «إما أن تخشوا نفوذنا، وإلا فقد تلقون المصير نفسه وتُهزمون في الانتخابات». ورغم هذه التغييرات، فإن نفوذ القوى المؤيدة لإسرائيل يواجه تحديات متزايدة، إذ تؤدي السياسات الإسرائيلية إلى تنفير مزيد من الناخبين، بينما يؤدي الإنفاق الكبير لـ«إيباك» إلى زيادة الجدل حولها، حتى عندما تُحقق انتصارات انتخابية.

ومع انتهاء اللوائح الفيدرالية التي كانت تُخفف الرقابة على الإنفاق المستقل في الحملات الانتخابية، استغلت «أيباك» وغيرها من الجماعات المؤيدة لإسرائيل الوضع بإنشاء «لجان عمل سياسي فائقة»، قادرة على جمع وإنفاق عشرات الملايين من الدولارات في كل انتخابات. فبدلاً من صعوبة التنسيق السري لعشرات لجان العمل السياسي الخاضعة للتنظيم الفيدرالي وأموال المتبرعين المحدودة التي يمكن تقديمها لكل مرشح، بات بإمكان هذه اللجان الفائقة غير الخاضعة للتنظيم تلقِّي تبرعات بملايين الدولارات من الأفراد وإنفاق المبلغ نفسه لدعم أو الإضرار بالمرشحين الذين تختارهم. ففي عامي 2022 و2024، استهدفت هذه اللجان بفعالية عدداً من المرشحين المنتقدين لإسرائيل، وأنفقت الملايين لهزيمتهم.

وفي أعقاب الحرب الإسرائيلية على غزة، شهدنا انهياراً حاداً في الدعم الشعبي لإسرائيل، لا سيما بين «الديمقراطيين». في هذا المناخ الجديد، لم يَعُد بإمكان «أيباك» انتقاء عدد قليل من المرشحين ليكونوا عبرة للآخرين، بل باتت تواجه تحديات جديدة أسبوعياً. وأيّد أكثر من 110 من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل بسبب انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين. واتهم عشرات المسؤولين المنتخبين إسرائيل بارتكاب جرائم، وتعهّد مئات من أعضاء الكونجرس والمرشحين برفض أي دعم من «أيباك».

وفي الواقع، أصبحت اللجنة مكروهة لدرجة اضطرتها إلى إنشاء كيانات جديدة أو الاعتماد على جهات بديلة لإيداع الأموال التي تجمعها لتوزيعها على المرشحين.ورغم ذلك، فإن العقبات التي تواجهها القوى المؤيدة لإسرائيل تبدو أكبر من طاقتها. فسلوك إسرائيل يُنفّر المزيد من الناخبين. وكلما زاد إنفاق لجنة «أيباك»، ازدادت سمعتها سوءاً، حتى عندما تفوز، فإنها تفقد الدعم لأساليبها القمعية. وهو ما يقودنا إلى الانتخابات التمهيدية التي جرت في نيويورك الأسبوع الماضي.

*رئيس المعهد العربي الأميركي - واشنطن