في السياسة لا قيمة للشعارات عندما تبدأ الصواريخ بالتحليق، ولا معنى للبيانات المشتركة عندما تتجه الطائرات المسيّرة إلى المدن. فالأمن الحقيقي لا يُختبر في القمم والتصريحات ووقفات التضامن الإعلامية، بل في لحظة الخطر. وما كشفته السنوات الأخيرة هو حقيقة لم يَعُد بالإمكان تجميلها: الخليج لابد أن يتعامل مع الأزمات الإقليمية ككتلة أمنية واحدة، وفق مفهوم المصير المشترك، وليس مجموعة دول متجاورة تختلف في رؤيتها للتهديد، وتتباين في أولوياتها.
لقد بُني مجلس التعاون الخليجي على فكرة أن الاعتداء على أي دولة هو اعتداء على الجميع. وعندما تعرّضت المنطقة لواحدة من أخطر مراحلها الأمنية، من الضروري تعزيز هذه الفكرة أمام الواقع والتحالفات غير المعلنة، من خلال موقف خليجي موحّد، وردع جماعي.
والأخطر من ذلك أن المنطقة شهدت ما يمكن وصفه بـ«الانتقائية في العقاب». فالهجمات والتهديدات لم تتجه إلى جميع الأطراف بالدرجة نفسها. وكانت الرسالة العدوانية واضحة: هناك دول يمكن الضغط عليها، ودول ينبغي تحييدها، ودول يمكن إبقاؤها خارج دائرة الاستهداف. وهذا يتطلب التأكيد على إحدى أكبر المسلمات الخليجية: وهم الأمن الجماعي. فعندما تتعرض دولة خليجية لاعتداءات متكرّرة على أراضيها ومنشآتها ومجالها الجوي، لا يكتفي محيطها بالإدانة أو الصمت أو الدعوة إلى ضبط النفس، بل بالتأكيد على مفهوم «أمن الخليج ككيان إقليمي واحد».
المنطق والتاريخ يعلماننا أن القوى الإقليمية لا تحترم الفراغ، ولا تكافئ التردد.
الهجمات العدوانية تركت رسالة وصلت إلى شعوب الخليج، فقد شعر كثير من السكان بأن هذه اللحظة تدفع نحو تفعيل منظومة الأمن الجماعي باعتبارها حصنهم المشترك.
صحيح أن دول الخليج نجحت في توحيد الأسواق والرسوم الجمركية، لكن ينبغي عليها الآن توحيد مفهوم الخطر أو تعريف العدو وصياغة عقيدة دفاعية مشتركة.
التحالفات ينبغي أن تتكاتف عندما تتعرض لهجوم خارجي، لتؤكد قدرتها على الدفاع عن نفسها بصورة جماعية.
وفي المقابل، لا يمكن قراءة المشهد الإيراني بسطحية، فإيران دولة تمتلك أدوات نفوذ وقدرات، لكنها أيضاً تواجه تحديات داخلية معقّدة، من ضغوط اقتصادية، وتنوّع قومي وإثني واسع، ومطالب اجتماعية وسياسية متصاعدة، ونقاشات مستمرة حول الهوية ومستقبل العلاقة بين المركز والأطراف. وهذا الواقع يفرض على دول الخليج أن تتعامل مع إيران بنهجها وبعقل استراتيجي.
إنّ ما جرى خلال الشهور الأخيرة يجب أن يدقَّ ناقوس الخطر، الذي يعزز الخطوات الرامية لبناء توجُّهٍ خليجي موحّد.
لقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن الجغرافيا وحدها لا تصنع التحالفات، وأن اللغة والدين والأصل والتاريخ والعادات المشتركة لا تكفي وحدها لبناء أمن جماعي، فلابد من إدراك جماعي لأهمية تفعيل الأمن الخليجي المشترك.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات