لم تعُد الدعوة إلى إنشاء منظومة ردع خليجية متكاملة خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط. فالبيئة الأمنية المحيطة بدول مجلس التعاون الخليجي تشهد تغيرات عميقة، تتراوح بين تراجع الانخراط العسكري المباشر للقوى الكبرى، وتصاعد التنافس الإقليمي، وتطور أدوات الحروب الحديثة التي لم تعُد تقتصر على الجيوش النظامية التقليدية، بل امتدت إلى الطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، والهجمات السيبرانية، والحروب الاقتصادية والإعلامية.
لقد أثبتت التجارب أن الأمن الخليجي لا يمكن أن يبقى رهينةً للتحالفات الخارجية وحدها، مهما بلغت متانتها، لأن أولويات القوى الدولية تتبدل وفقاً لمصالحها العالمية. ومن هنا، فإن بناء قدرة خليجية ذاتية على الردع لا يعني الاستغناء عن الشراكات الدولية، بل يهدف إلى تعزيزها عبر امتلاك قوة إقليمية قادرة على حماية المصالح الخليجية وإدارة الأزمات بثقة واستقلالية أكبر.ويستند هذا الطرح إلى حقيقة جيوسياسية مهمة، تتمثّل في أن دول مجلس التعاون تشكل كتلةً جغرافيةً متصلةً، تربطها حدودٌ برية وبحرية متداخلة، ومصالح اقتصادية وأمنية واحدة، إضافة إلى وحدة اجتماعية وثقافية تجعل مِن مفهوم الأمن الجماعي أكثر قابليةً للتطبيق مقارنةً بالعديد من التكتلات الإقليمية الأخرى. ذلك ما تعززه الخبرة التي مرت بها دول مجلس التعاون من حرب الخليج الأولى (الإيرانية العراقية) إلى الحرب الحالية (الإيرانية الأميركية والإسرائيلية).
وفقاً للنهج السلمي الذي تنهجه دول مجلس التعاون الخليجي، فإنه لا ينبغي أن يُفهم ذلك بوصفه استعداداً للحرب، وإنما باعتباره وسيلةً لمنعها. فكلما ازدادت قدرةُ الدول على إظهار جاهزيتها العسكرية والسياسية، انخفضت احتمالاتُ المغامرات العدائية ضدها. ويقوم الردعُ الفعالُ على ثلاثة عناصر رئيسية: القدرة العسكرية المشتركة، وسرعة اتخاذ القرار، ووحدة الرسالة السياسية. وأيُّ خلل في أحد هذه العناصر يقلّل مِن فاعلية المنظومة بأكملها.
وفي هذا السياق، يمكن أن تتجاوز منظومةُ الردع الخليجية المفهومَ التقليدي للقوة العسكرية، لتشمل منظوماتِ الدفاع الجوي والصاروخي الموحدة، والاستخبارات المشتركة، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية للطاقة والمياه والاتصالات، فضلاً عن توحيد الصناعات الدفاعية الخليجية، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الخارج، ورفع كفاءة الإنفاق العسكري.
كما أن التكامل السياسي يمثّل الركيزةَ الأساسيةَ لأي مشروعٍ ردعي ناجح، إذ لا يمكن للقوة العسكرية أن تحقق أهدافَها في غياب توافق سياسي واضح حول مصادر التهديد وآليات التعامل معها. لذا فإن تطوير آليات اتخاذ القرار داخل مجلس التعاون الخليجي، وتعزيز التنسيق الدبلوماسي، وإجراء مناورات عسكرية دورية.. كلُّها خطوات ضرورية لتحويل مفهوم الأمن الجماعي من إطار نظري إلى واقع عملي.
ولا يقتصر أثرُ منظومة الردع الخليجية على البعد الأمني، بل يمتد إلى الاقتصاد والاستثمار، إذ إن الأسواق العالمية تنظر إلى الاستقرار الأمني باعتباره عاملاً رئيسياً في جذب رؤوس الأموال، وضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة الدولية. ومن ثمَّ، فإن تعزيز الردع يسهم بصورة مباشرة في حماية المكتسبات التنموية التي حققتها دولُ مجلس التعاون خلال العقود الماضية.
في ظلّ المتغيرات الدولية الراهنة، يبدو أن مستقبل الأمن الخليجي سيتحدد بقدرته على الانتقال من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التكامل الحقيقي. فالجغرافيا السياسية، وتشابه التحديات، وتقارب المصالح، جميعها عوامل تجعل من بناء منظومة ردع خليجية مشروعاً واقعياً أكثر من أي وقت مضى.
إن الرسالة التي ينبغي أن تبعث بها هذه المنظومة، هي ترسيخ معادلة استراتيجية واضحة، ورؤية دولة الإمارات ترى أن أمن الخليج مسؤولية خليجية أولاً، وأن السلام الدائم لا يتحقق إلا عندما تكون القدرة على الدفاع عن المصالح والسيادة حاضرة وموثوقة، وهو ما يعزّز التفاهمَ بين دول الجوار ويحفظ استقرارَ المنطقة، ويبعدها عن التدخلات والإرهاب، ويوفر فرصَ التنمية المستدامة والتعاون الإقليمي.
*سفير سابق