زار رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي جزر سيشل منذ أيام احتفالاً بمرور 50 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. كما هدفت زيارته إلى تعزيز الوجود البحري للهند والحفاظ على مكانتها في المحيط الهندي. وقد برزت سيشل كأحد أهم الشركاء الاستراتيجيين للهند في غرب المحيط الهندي، نظراً لموقعها القريب من طرق الشحن الحيوية التي تنقل إمدادات الطاقة والتجارة العالمية. ولا تقتصر أهمية سيشل على مساعدة الهند في تعزيز وجودها الأمني في المحيط الهندي فحسب، بل إنها ترتبط أيضاً باستراتيجية الهند «الأمن والنمو للجميع في المنطقة» («ساجار») التي تضع الدولَ الجزرية في صميم استراتيجية نيودلهي البحرية.
وتُعد استراتيجية «ساجار» السياسة الجيوسياسية والبحرية الرئيسية للهند في منطقة المحيط الهندي، وقد تبناها مودي عام 2015 بعد توليه السلطة بفترة وجيزة، بهدف ترسيخ مكانة الهند كدولة فاعلة في توفير الأمن. ولتحقيق أهداف هذه الاستراتيجية، اعتُبر التعاون البحري أمراً بالغ الأهمية لضمان استمرار التعاون الفعّال مع الدول المجاورة للهند عبر البحر. وكان الحفاظ على علاقات متينة مع الدول الجزرية، والبقاء شريكاً رئيسياً في توفير الأمن في المحيط الهندي أمران بالِغا الأهمية بالنسبة للهند، لا سيما في مجالات المراقبة البحرية، ومكافحة القرصنة، وتهريب المخدرات. كما زوّدت الهند سيشل بسفن دورية وطائرات وأنظمة رادار ساحلية، وقدمت التدريبَ لقوات الدفاع السيشلية. وخلال زيارته السابقة لسيشل عام 2015، افتتح مودي أولى محطات النظام الراداري للمراقبة الساحلية، والذي كانت تديره سيشل بنفسها، لكنه منح الهندَ إمكانيةَ وصولٍ أوسعَ إلى التحركات في مساحات شاسعة من المحيط الهندي.
وخلال زيارة مودي الحالية، لم يقتصر التعاونُ على تبادل مذكرات تفاهم في مجالات الزراعة، وبنك التصدير والاستيراد الهندي، واستكشاف الفضاء الخارجي.. بل اتفق الجانبان أيضاً على توسيع التعاون في مجالات تشمل الدفاعَ والأمنَ البحري والمدفوعات الرقمية والفضاء والرعاية الصحية والتعليم. كما وقَّعا معاهدةً لتسليم المطلوبين للعدالة، واتفاقيةً للتعاون في الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي، واتفاقية لتوسيع استخدام نظام المدفوعات الرقمية الهندي الموحد في سيشل، إضافةً إلى اتفاقيةِ إطارٍ لخط ائتمان مع بنك التصدير والاستيراد الهندي.
وسلم رئيسُ الوزراء الهندي سفينةَ دورية سريعة «صُنعت في الهند» إلى خفر سواحل سيشل، مؤكداً على استمرار تعزيز التعاون في مجال الأمن البحري، حيث وَصف تسليمَ السفينة بأنه «علامة فارقة أخرى في الشراكة المتنامية بين الهند وسيشل في مجالي الدفاع والأمن البحري». كما سلمت الهندُ عشرَ مركبات متعددة الاستخدامات وخمسة زوارق من طراز «ليزر راديال» إلى خفر سواحل سيشل، إضافةً إلى طائرة دورنير مُطورة مزودة بقمرة قيادة زجاجية.
وخلال تسلمه جائزة «حارس الأفق الأزرق»، أعلى وسام رئاسي في سيشل، وصف مودي المحيطَ الهنديَّ بأنه «وطن مشترك»، مؤكداً أن أمنَه واستدامتَه وازدهارَه مسؤوليةٌ مشتركةٌ بين سيشل والهند.
ومِن جانبه، سلط رئيس سيشل، باتريك هيرميني، الضوءَ على أولويات بلاده في مجال الأمن البحري، مؤكداً مكانةَ سيشل ضمن الرؤية البحرية للهند والتزامها المشترك بمكافحة القرصنة، وتهريب المخدرات، والصيد غير القانوني، والجريمة العابرة للحدود. كما أشاد بدعم الهند في مجالات المراقبة البحرية والمسح الهيدروغرافي وبناء القدرات الدفاعية.واكتسبت الزيارةُ أهميةً جيوسياسيةً أوسع، إذ تسعى الهندُ إلى تعزيز نفوذها مع تزايد أهمية تأمين الممرات البحرية والحفاظ على وجودها في البحار. وقد أبرزت الحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية، وإغلاق مضيق هرمز، مدى أهمية انسياب التجارة العالمية دون عوائق. لذا، أصبح من الضروري أن تعزز الهندُ تعاونَها في المحيط الهندي، وأن تحافظ على مكانتها كمساهم أمني هام في المنطقة.
ومن خلال تعزيز تعاونها مع سيشل عبر المساعدات التنموية، ومبادرات التكيف مع تغير المناخ، والاقتصاد الأزرق، تُشير الهندُ إلى أنها لا تزال شريكاً موثوقاً به لدول المحيط الهندي على المدى البعيد. وخلال جائحة كورونا، كانت سيشل من أوائل الدول التي تلقت لقاحات كوفيد-19 الهندية. وقد أكدت زيارةُ مودي على جهود نيودلهي في الجمع بين المشاركة الاستراتيجية والاقتصادية والدبلوماسية لضمان مصالحها في منطقة تزداد أهميتُها للتجارة الدولية والأمن العالمي.
إن العلاقات بين الهند وسيشيل تشهد توسعاً بوتيرة سريعة. ويتعلق التعاون الثنائي ببرامج المساعدة التنموية المختلفة التي قدمتها الهند لسيشيل، لضمان استمرارية العلاقات الثنائية، وأيضًا لضمان بقاء مساهمة نيودلهي في المحيط الهندي.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي