بين معركة واترلو «التي هُزم فيها نابليون بونابرت أمام القوات البريطانية» في عام 1815، ونشوب الحرب العالمية الأولى في عام 1914، تغيّر العالم الأوروبي اقتصادياً وتقنياً وحقق قفزات كبيرة نحو التقدّم والرقيّ. أنجز مشروع برج إيفل في العاصمة الفرنسية باريس في عام 1889. وأنجز بناء «مبنى ليفر» في مدينة ليفربول الإنجليزية الذي افتُتح في عام 1911 ليجسّد واقعاً جديداً يقوم على الوفرة والأمان بعد سلسلة الحروب النابوليونية. وهو مستمر برمزيته حتى اليوم. حوّلت النهضة الصناعية الاقتصاد الزراعي المحدود إلى اقتصاد صناعي أشمل وأوسع. اكتشفت الأدوية، مما جعل الأفراد والمجتمعات أفضل حالاً صحياً واجتماعياً.
واكتشفت الأمصال المضادة للأوبئة وانتشرت عمليات التطعيم الجماعي للسكان في مما طوى صفحات سوداء من الأمراض الوبائية، مثل مرض التيفوئيد والحصبة. وحتى أثناء الحروب انخفضت الوفيات بين أفراد القوى المتقاتلة إلى نسبة السبع عما كانت عليه في القرن السابق. تُوّجت هذه التحوّلات باكتشاف الطاقة البخارية، ثم الكهربائية، مما فتح الآفاق أمام القدرات الإنسانية لتحقيق المزيد من الاكتشافات في الكون وفي الذات الإنسانية.
كان اكتشاف قوة بخار الماء لإبحار السفن «قبل اكتشاف النفط»، واكتشاف التلغراف للتواصل عن بُعد، الأساس لإطلاق حركة الاستعمار التي قامت بها أوروبا -«فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وحتى ألمانيا»- في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية، بما في ذلك الشرق الأوسط. وبالتالي السيطرة على العالم القديم وطمس معالم حضارته. وبعد عام 1848 عرفت أوروبا سلسلة متكاملة الحلقات من المتغيّرات الاجتماعية، فانتشر التعليم وازدهرت الصناعة الصحفية، وتوسعت شبكة خطوط السكك الحديدية.. وهكذا وجدت الأفكار طريقها إلى الناس على مختلف مناطقهم السكنية، فاتسعت آفاق المعارف مما أدّى إلى نشوء الحركات السياسية والوطنية.. ومن ثم إلى ظهور الديمقراطية. لم تشمل هذه المتغيّرات الجذرية مجتمعات أوروبا الشرقية. كانت دولها أشد تأثراً، وأوثق ارتباطاً بالاتحاد السوفييتي السابق، أدّى ذلك إلى نشوء هوة ثقافية - اجتماعية بين الشرق والغرب الأوروبيين.
ولا تزال هذه الهوّة قائمة حتى اليوم. ويقوم حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي على تحويل العلاقة القائمة على جسور مصطنعة إلى تداخل بنيوي تكاملي. فبولندا مثلاً أُزيلت من الخريطة الأوروبية عندما تقاسمهتا روسيا وألمانيا. ولم تكن الدول الاسكندينافية موضع اهتمام لأنها كانت غارقة في الثلج والفقر. حتى أن السويد التي أصبحت من أغنى دول هذه المجموعة، كانت من أفقرها وعرفت سنوات من البطالة والمجاعة. كانت الحدود الشرقية لأوروبا مفتوحة دائماً على كل الاحتمالات.. في الوقت الذي كانت فيه دول أوروبا الغربية تثبت أقدامها التوسعية في آسيا وأفريقيا.
ولما خرجت أوروبا، أو أُخرجت من هاتين القارتين (تصفية الاستعمار)، حاولت أن تعيد بناء شخصيتها المتكاملة غرباً وشرقاً عبر السوق المشتركة، ثم الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.. وهي محاولة لم تكتمل فصولها حتى الآن.
قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين حصدتا الملايين من الأرواح البشرية في أوروبا وخارجها، عرفت أوروبا سلسلة طويلة من الحروب المحلية بين فرنسا وبريطانيا من جهة، وبين ألمانيا وفرنسا من جهة ثانية.. وبين إسبانيا وبريطانيا من جهة ثالثة.
طوت أوروبا الصفحات الدامية لتلك الحروب وأعادت كتابة تاريخها بما يتوافق مع قيام الاتحاد الأوروبي. سقطت كل الرهانات على فشل الاتحاد وانهياره، وها هو يقف أمام حدود أوكرانيا التي كانت لوقت ما جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق. لا شيء ثابت في العلاقات الدولية.. وخاصة في أوروبا.
*كاتب لبناني