الحرب المنسية المقصودة هنا هي الحرب التي تدور رحاها على كلٍ من الأراضي الأوكرانية والروسية منذ فبراير2022، وأطرافها شكلاً روسيا وأوكرانيا، وموضوعاً روسيا ودول التحالف الغربي بحكم دعم عديد منها بدرجات متفاوتة للطرف الأوكراني، كما لا ننسى أن روسيا تحظى بدعم دول أخرى على نحو غير مؤكد أحياناً كما تُتَّهم الصين بذلك من بعض الدوائر الغربية، وعلني في أحيان أخرى، كما في إعلان كوريا الشمالية رسمياً ولأول مرة أواخر أبريل 2025 نشر قوات عسكرية للقتال لصالح روسيا في حربها ضد أوكرانيا، بالإضافة إلى تزويد إيران لروسيا بالطائرات المسيرة رغم النفي الإيراني في البداية، إلى أن تم الاعتراف بذلك، بل وبتوسيع نطاق المساعدة ليشمل تدريب أطقم روسية، وتوقيع اتفاق لبناء مصنع لهذه الطائرات داخل روسيا وتبادل الخبرات.
والسبب في الوصف المجازي لهذه الحرب بأنها منسية أن درجة الاهتمام بها تراجعت بسبب اشتعال الحروب في الشرق الأوسط، سواء متمثلة في الحرب الإسرائيلية على غزة منذ 7 أكتوبر2023 وتداعياتها الإقليمية، أو الحرب على إيران بجولتيها في يونيو2025 وفبراير2026، إذ كان لهذه الحرب، وبالذات في جولتها الأخيرة تداعيات خطيرة على أسواق الطاقة تراجعت معها أهمية الحرب على أوكرانيا رغم ما شهدته مؤخراً من تصعيد.
فقد شهدت هذه الحرب في الآونة الأخيرة مظاهر تصعيد شديدة الوضوح من الطرفين، تمثلت في تكثيف أوكرانيا هجماتها بالطائرات المسيرة في العمق الروسي، مستهدفة منشآت نفطية وموانئ استراتيجية في مناطق مهمة، واستخدام أوكرانيا تكتيكات قتالية جديدة تتمثل في الهجوم بمئات المسيرات يومياً، بما فيها مسيرات نفاثة عالية السرعة لإنهاك الدفاعات الروسية.
وعلى الجانب الآخر ردت روسيا بتكثيف غاراتها المباغتة بالصواريخ والمسيرات على العاصمة كييف، بالإضافة لمواصلة الجيش الروسي ضغطه، ومن ثم سيطرته على مناطق استراتيجية شرقي أوكرانيا، في إطار سعيه لاستكمال سيطرته على إقليم دونباس، ناهيك بالتلويح كلما تعقدت الأمور بالتصعيد النووي، كملاذ أخير يجعل سيناريو هزيمة روسيا مستحيلاً.
ومن الواضح أن هذه الحرب قد استعصت حتى الآن على كل محاولات تسويتها، وأهمها محاولة ترامب الذي أتى بتحول حقيقي في الموقف الأميركي بموافقته على ضم روسيا لأراضٍ أوكرانية، وإعلانه أن أوكرانيا لن تنضم لحلف شمال الأطلسي، مستجيباً في ذلك لأهم المطالب الروسية، ومع ذلك فقد فشل في التوصل لتسوية، في الأغلب لأن الموافقة على التنازل عن أراضٍ تابعة للإقليم الأوكراني ليست بالأمر الهين، كما أن الضمانات المطلوبة من روسيا لأمن أوكرانيا بالمقابل ربما كانت أبعد مما يستطيع الرئيس الروسي تقديمه، كذلك فإن دول الاتحاد الأوروبي الداعمة لأوكرانيا مازالت عاجزة عن القيام بدور وساطة في الحرب، مع أنها صاحبة مصلحة في إنهائها.
لكن المطلب الروسي الرئيسي بضم إقليم دونباس يمثل عقبة أساسية أمام هذا الدور لتعارضه مع مبادئ القانون الدولي واعتبارات الأمن الأوروبي، ولذلك فإن أقصى ما استطاعه الجانب الأوروبي هو نقل المطالب الأوكرانية لروسيا عن طريق سفراء بريطانيا وألمانيا وفرنسا المعتمدين فيها، وهو ما جعلها تتهم المبادرة الأوروبية بعدم الاتساق، وبأنها تعكس سياسة هدامة تهدف لإطالة أمد الحرب وليس تسويتها، وهكذا تبقى الحرب حول أوكرانيا قنبلة موقوتة تهدد الأمنين الإقليمي والعالمي بالوصول لأبعاد خطيرة.
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة.