يتطور حضور الإسلام السياسي في الغرب اليوم ويستخدم آليّات جديدة، حيث يظهر عبر منظومة مؤسساتية هجينة تشمل بناء مجتمعات موازية توفّر استقلالاً ذاتياً للجماعة، حيث ينصح الأعضاء بالبقاء داخل «غيتوهات إسلامية» للحفاظ على هوية الإسلام السياسي ومنع الذوبان مع استخدام الأدوات الغربية كحصان طروادة للوصول إلى مراكز التأثير.
لقد شهدت هذه الأدوات تطوراً مع انتقال الجماعة إلى الغرب، إذ حدّدت «المذكرة التفسيرية» عام 1991م مهمة «الإخوان» في الغرب بأنها «جهاد حضاري»، بعيدة المدى، تهدف إلى تدمير الحضارة الغربية من الداخل بيد أهلها الغربيين والمؤمنين، كما يزعمون، عبر تخريب مؤسساتها وتحويلها لتتوافق مع معايير الأيديولوجيا الإسلاموية، وهو ما تلخّصه عبارتهم: «حيثما تكون مصلحة الجماعة فثمَّ وجه الله». وفي هذه البيئات وهم يمارسون الخديعة مع المؤسسات الغربية بدواعي التلاؤم والانفتاح، تجذّر مفهوم التسلل المؤسّسي، والغاية من ذلك أن تصبح جمعيات الإسلام السياسي شريكاً معترفاً به في المؤسسات الأوروبية. وتبدأ بتأسيس جمعيات في مجالات مكافحة التمييز، أو الحوار بين الأديان لتنتقل سريعاً إلى عقد شراكات استراتيجية مع المؤسسات الرسمية، عندها تنتقل الجماعة من موقع التهمة إلى موقع الخبير والمتحدث الشرعي الوحيد باسم الإسلام.
وقد نهض القرضاوي بمهمة أخونة الفتوى لهذا الانتقال الاستراتيجي، تحت شعارات «فقه الأقليات» و«فقه الأولويات والواقع»، حيث انتقل بالجماعة إلى مرحلة التكيّف المؤسَّسي لتمكين «الإخوان» في الغرب من الاندماج الانتقائي الذي يهدف إلى استغلال الحقوق المدنية والقانونية لتقوية المؤسسات الإسلاموية وتأجيل المطالب الراديكالية تكتيكياً. وشكّلت الجامعات إحدى أهم الساحات لهذا الحراك، لاسيما جامعة «تمبل» التي ارتبطت تاريخياً بإسماعيل الفاروقي، الذي قاد مشروع «أسلمة المعرفة» لإعادة بناء العلوم الإنسانية وفق الإسلاموية، وأتبع ذلك بتأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي عام 1981، وفي الفضاء الأوروبي، ظهر منتدى المنظمات الشبابية والطلابية المسلمة الأوروبية (FEMYSO) عام 1996، ويُعتبر الذراع الشبابية لـ«الإخوان» في أوروبا.
تبدو ملامح الاختراق الأكثر عمقاً في ساحة إنتاج المعرفة ذاتها، من خلال نشوء حالة انسجام داخل بعض الجهات الأكاديمية الغربية مع ظاهرة الإسلام السياسي، يقودها أكاديميون ينتمون إلى التيارات اليسارية.
وتتبدّى هنا مفارقة فكرية: إذ يتبنّى باحثون ينتمون إلى مدرسة ما بعد الحداثة موقفاً داعماً تجاه خطاب «إخواني» متطرّف. والعجب كل العجب أنهم يتجاهلون ما تعلّموه من الأدوات النقدية والشك المنهجي ومفاهيم ما بعد الحداثة عند مقاربة الإسلاموية، وعلى هذا الفكر تشكَّل «التحالف الأحمر- الأخضر»، أي تحالف اليسار التقدمي مع الإسلام السياسي تحت شعار «العدالة الاجتماعية» و«مناهضة الامبريالية». ويثبت فرانسوا بورغا نموذجاً حياً لهذا الاتجاه، حيث يدّعي أن الإسلام السياسي المعاصر انفك عن نصوصه التأسيسية التي كانت تدعو إلى العنف، وتغفل هذه القراءة مساراً طويلاً من العنف المرتبط بالجماعة في تجارب مصر والسودان وفي دول عديدة.
وفي المقابل، يقرّر أوليفييه روا في دراساته للإسلام السياسي محورية البنية الأيديولوجية والمرجعيات الفكرية لفهم تحوّلات الإسلاموية، إذ ظل التغير «الإخواني» محكوماً بموازين القوة وبلوغ سُدَّة الحكم. وعند تحقق التمكين، تطفو المفاهيم التأسيسية مجدداً، ويتقدم الولاء التنظيمي على استحقاقات الدولة الوطنية. ويقدّم طلال أسد نموذجاً آخر للأكاديمي الغربي في الدفاع عن الإسلاموية.
فقد جاء من خلفية فكرية وثيقة الصلة بالإسلام السياسي، إذ نشر والده محمد أسد عام (1947) تصوره لـ «الدستور الإسلامي»، واضعاً تصوراً صريحاً للدولة الإسلاموية، ثم بنى طلال أسد منذ السبعينيات مشروعاً نقدياً موجّهاً ضد الدولة الوطنية، تَجسَّد في كتابيه «جينالوجيات الدين» و«تشكيلات العلماني».
ووظف الإسلاميون كذلك أطروحات وائل حلاق كأداة معرفية لتقويض شرعية الدولة الوطنية. ففي كتابه «الدولة المستحيلة»، جادل حلاق بأن نموذج الدولة الحديثة هو بنيان غير أخلاقي بطبيعته، بينما تقوم الرؤية الإسلاموية على مركزية الأخلاق، وامتدّ نقده ليشمل الهوية الوطنية ومفهوم التضحية لأجل الدولة الوطنية، واصفاً إياها بنموذج غير أخلاقي!.
هكذا انتقت تيارات الإسلام السياسي من أطروحته مادةً لتفكيك شرعية الدولة الوطنية، والطعن في قيم الهوية والسيادة والمواطنة. لقد حقق هذا المسار الاختراق الأكثر خطورة، متمثلاً في تشكيل فقاعة سردية مهيمنة داخل الأكاديميا الغربية.
وتتواتر في هذا الفضاء مفاهيم المظلومية، والإسلاموفوبيا لتصبح نقطة الانطلاق الحتمية في مجالات التدريس والبحث، تضمن سيطرتهم على الجامعات وتوجيه المُعلِّم والباحث، لذا تحوّل التمكين إلى مشروع ممتد لإنتاج المفاهيم المدمرة، واحتلال مواقع الخبير والمتطرف في آن واحد.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.