يجد المتابع العادي والمحترف، على حدٍّ سواء، صعوبة في فهم تحركات القوى الكبرى في العالم نحو مسعاها للوصول لمعادلة هيمنة لا تُدخل العالم في نقطة الانهيار الكارثي، وفي الوقت نفسه إدارة الصراعات بعيداً عن أراضي تلك القوى، وإشعال الأزمات في الشرق ليس سوى جزء من تلك المعادلة، لينصرف اهتمام العالم إلى عناوين الحرب وأسعار النفط وتصريحات القادة وتحركات الأساطيل، بينما المخططات الأخرى الأكثر تأثيراً تُطبخ على نار هادئة، ووفق خطط لا تحيد عنها تلك القوى، ولا مجال للعشوائية والصدفة، وألا تُفاجأ دولة عظمى بقوة دولة أخرى أو نضوب مصادرها الحربية، وهي التي تعمل منذ عقود طويلة للوقوف والبقاء على القمة، عندما تحين ساعة الصفر الجيواستراتيجية.
كما أن خلف هذا الضجيج تدور معركة أكبر بكثير من حدود المنطقة. فالصراع الحقيقي في القرن الحادي والعشرين ليس بين دول الشرق الأوسط، بل بين الولايات المتحدة والصين، بين القوة التي قادت العالم منذ نهاية الحرب الباردة والقوة التي تحاول إعادة تشكيل النظام الدولي.
الولايات المتحدة لا تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مجرد مخزن للطاقة، أو مسرحاً لأزمات متكررة، بل باعتباره عقدة جيوسياسية تتحكم في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. فالموقع الجغرافي للمنطقة يمنحها القدرة على التأثير في تدفق النفط والغاز والتجارة البحرية وسلاسل الإمداد الدولية، وهي عناصر لا يمكن لأي قوة صاعدة تجاهلها.
أما الصين فقد بنت نهضتها الاقتصادية على الصناعة والتصدير والتجارة والانفتاح على الأسواق العالمية. لكنها في الوقت ذاته أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على واردات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط. وعلى الرغم من جهودها لتطوير مصادر بديلة وتنويع شركائها الاقتصاديين، فإن المنطقة ما زالت تُمثل جزءاً أساسياً من أمنها الطاقوي.
من هنا يمكن فهم جانب مهم من الاستراتيجية الأميركية. فالمنافسة مع بكين لا تُدار فقط عبر الرسوم الجمركية أو سباق التكنولوجيا أو العقوبات الاقتصادية، بل أيضاً عبر القدرة على التأثير في البيئات الجيوسياسية التي تحتاجها الصين لمواصلة صعودها. فالقوة في العصر الحديث لم تَعُد تعني امتلاك أكبر جيش فحسب، بل تعني أيضاً القدرة على التحكم في الممرات التجارية والموارد الاستراتيجية والأسواق المالية.
ولذلك فإن الشرق الأوسط تحوّل إلى ساحة مركزية في لعبة التوازنات الدولية. فكل اضطراب في المنطقة ينعكس على أسعار الطاقة، والتأمين، والشحن، والاستثمار. وكل زيادة في المخاطر الجيوسياسية تفرض على القوى الاقتصادية الكبرى إعادة حساباتها. وفي عالم يعتمد على السرعة واليقين والاستقرار، فإن مجرد ارتفاع مستوى المخاطر قد يكون سلاحاً مؤثّراً بقدر تأثير العقوبات أو الحصار.
الصين تدرك هذه الحقيقة جيداً، ولذلك أطلقت مبادرات متعددة تهدف إلى إنشاء شبكة هائلة من الموانئ والسكك الحديدية والمناطق اللوجستية والاستثمارات العابرة للقارات. والهدف النهائي لهذه المبادرات هو تقليل الاختناقات الجيوسياسية وتوسيع خيارات الحركة الاقتصادية الصينية. لكن نجاح هذه المبادرة يحتاج إلى بيئات مستقرة وآمنة، وهو أمر يصعب تحقيقه في مناطق تعيش على وقع التوترات المزمنة.
في المقابل، ما زالت الولايات المتحدة تمتلك أدوات قوة استثنائية، من بينها النفوذ البحري والتحالفات العسكرية والقدرة على التأثير في المؤسسات المالية الدولية وهيمنة الدولار على جزء كبير من التجارة العالمية. كما أن الأزمات الدولية غالباً ما تدفع المستثمرين إلى البحث عن الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها الأصول الأميركية، وهو ما يمنح واشنطن قدرة أكبر على تمويل عجزها وإدارة أعبائها الاقتصادية.
هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تصنع كل الأزمات أو تتحكم في جميع الصراعات، فالعالم أكثر تعقيداً من هذه التفسيرات المبسَّطة. لكنه يعني أن القوى الكبرى تُجيد توظيف التحولات الدولية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، وأنها تسعى دائماً إلى الحفاظ على البيئات التي تمنحها أفضلية نسبية في مواجهة منافسيها.
لقد دخل العالم بالفعل مرحلة الحروب الجيواقتصادية، حيث أصبحت الطاقة والممرات البحرية والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن الصواريخ وحاملات الطائرات. وأصبحت المعركة الحقيقية تدور حول من يملك القدرة على تشكيل البيئة التي يعمل فيها الآخرون.
وفي قلب هذه المعادلة يقف الشرق الأوسط مرة أخرى باعتباره أحد أهم مفاتيح النظام الدولي. فالجغرافيا التي كانت سبباً في ازدهار المنطقة عبر التاريخ ما زالت تجعلها مركزاً للصراع العالمي. وبين صعود التنين الصيني ورغبة واشنطن في الحفاظ على موقعها المهيمن، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح العالم في إدارة هذه المنافسة ضمن حدود الاقتصاد والسياسة، أم أن التنافس على الطاقة والنفوذ سيُعيد إنتاج صراعات كبرى تعيد رسم خريطة القرن الجديد؟
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.