اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب و«محافظون» آخرون روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بالتحيز ضدهم سياسياً، بينما أثار أمره التنفيذي الذي يلزم تلك النماذج الذكية بأن تكون محايدة وغير حزبية مخاوف «الديمقراطيين» من احتمال ميلها إلى اليمين.
واختبرت صحيفة «واشنطن بوست» نماذج الذكاء الاصطناعي المشغلة لـ«شات جي بي تي» و«جيميني» وغيرها باستخدام أسئلة سياسية أعدها باحثون، وأظهرت النتائج أن لهذه النماذج ميولاً سياسية واضحة قد تتعارض مع تعهدات الشركات المطورة لها.
واعتمد «شات جي بي تي» في غالبية إجاباته على حجج تميل إلى اليسار، ولم يقدم وجهة نظر يمينية إلا مرة واحدة، بينما عرض «جيميني» وجهتي النظر اليمينية واليسارية في أكثر من 90% من إجاباته.
وحتى النماذج التي تُسوَّق على أنها محافظة، مثل «جروك» المملوك لـ«إيلون ماسك»، استندت في المتوسط إلى حجج تميل إلى اليسار أكثر من اليمين. وتتفق نتائج الصحيفة مع دراسات أكاديمية سابقة خلصت إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي تميل عموماً إلى تفضيل مواقف يسارية.
وقال شون ويستوود، مدير مختبر أبحاث الاستقطاب في كلية دارتموث، إن إدراك المواقف التي تعززها أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر أهمية مع تزايد الاعتماد عليها لفهم العالم أو الأحداث الإخبارية، مؤكداً أنها لا تقدم، في المتوسط، عرضاً محايداً للنقاشات السياسية المعقدة.
واستند اختبار «واشنطن بوست» إلى دراسة أعدها باحثون من كلية دارتموث وجامعة ستانفورد، تضمنت أكثر من 20 سؤالاً سياسياً يحاكي ما قد يطرحه المستخدمون على روبوتات الدردشة.
وطُلب من النماذج الإجابة عن كل سؤال في 30 كلمة دون تفعيل إعدادات التخصيص، ثم جرى تقييم الإجابات لتحديد ما إذا كانت تميل إلى اليسار أو اليمين أو تعرض الرأيين، مع التأكد من اتساق النتائج عبر موضوعات سياسية متنوعة. لكن الأسئلة غطت نطاقاً واسعاً من المواضيع، وتحققت صحيفة «واشنطن بوست» من اتساق إجابات نماذج الذكاء الاصطناعي.
وفي سؤال عن حكم المحكمة العليا الأميركية عام 2010 الذي خفف القيود على إنفاق الشركات في الانتخابات، رأى نموذج «أوبن إيه آي» أن القرار يجب إلغاؤه، بينما عرضت نماذج «جوجل» و«أنثروبيك» وجهات نظر متضاربة.
وجاء نموذج «أوبن إيه آي» الأكثر ميلاً، إذ تضمنت 80% من إجاباته مواقف يسارية فقط، بينها تأييد إلغاء المجمع الانتخابي، ورفع الضرائب على الأثرياء، واعتماد نظام رعاية صحية ممول من جهة واحدة.
وحل نموذج شركة «ديب سيك» الصينية في المرتبة التالية من حيث الميل إلى اليسار، كما عارض هو ونموذج «أوبن إيه آي» عقوبة الإعدام، رغم استمرار تأييد أغلبية الأميركيين لها، وفقاً للاستطلاعات.
وأكدت مصادر بشركة «جوجل» أن «جيميني» صُمم لتقديم إجابات متوازنة لا تنحاز لأي توجه سياسي، مشيرة إلى أنها لم تتمكن من إعادة إنتاج الإجابات أحادية الجانب التي ظهرت في اختبارات «واشنطن بوست». ومن جانبها، أوضحت مصادر بشركة «أنثروبيك» أنها تدرب روبوت «كلود» على التعامل مع جميع التوجهات السياسية على قدم المساواة، وتختبره للكشف عن أي تحيز قبل إطلاقه، مؤكدة أن اختبارات الصحيفة لا تعكس الاستخدام المعتاد للروبوت، وأن «كلود» يتمتع عموماً بمساحة أكبر لإضافة السياق عند مناقشة السياسة.
كما أكدت مصادر بشركة «أوبن إيه آي» أن «شات جي بي تي» صُمم ليكون موضوعياً، ويساعد المستخدمين على استكشاف وجهات نظر مختلفة، وأن الشركة تعمل على قياس التحيز السياسي والحد منه، لكنها لم تتمكن من تكرار نتائج الصحيفة. ولم تستجب شركتا «سبيس إكس» و«ديب سيك» لطلب التعليق.
وقال الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان، إن الشركة تسعى إلى جعل النسخة الأساسية من «شات جي بي تي» محايدة قدر الإمكان، لكنه يرى أن الحل يكمن في منح المستخدمين تجربة شخصية مخصصة لأن مفهوم «الحياد» يختلف من شخص لآخر.
ويمكن أن تكتسب روبوتات الدردشة مواقف سياسية من خلال البيانات التي تُدرّب عليها، وطريقة اختيارها، إضافة إلى مراجعة الإجابات والتعليمات التي تضعها الشركات لتوجيه استجاباتها. كما توظف شركات الذكاء الاصطناعي خبراء لتحسين نماذجها من خلال تقييم الاستجابات، وتحديد الأفضل منها، وتكتب تعليمات لأنظمة روبوتات الدردشة الخاصة بها.وقالت جيرين بوداك، أستاذة جامعة ميشيغان، إن قرارات شركات التكنولوجيا أثناء تطوير الذكاء الاصطناعي قد ترسخ أشكالاً من التحيز تتجاوز الانقسام الحزبي، لأن بيانات التدريب تعكس غالباً قيم المجتمعات الغربية المتعلمة والغنية والديمقراطية.
*صحفي متخصص في الذكاء الاصطناعي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»