برغم كل التحركات التي تبديها الأطراف المعنية بشأن تحريك المياه الراكدة في ملفي غزة والجنوب اللبناني، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هل تتجه الأطراف المنخرطة في التوصل لحل دولياً وإقليميا إلى الانتظار، وترقب نتائج ما قد يجري من احتمالات التغيير من جانب إسرائيل، من خلال إعادة تشكيل حكومة أخرى، ربما تكون أكثر انفتاحاً على الحل، ولو الجزئي، أو المرحلي.
أولاً: قد يكون الانتظار أو الترقب أو -إن صح التعبير- الرهان على التغيير من الداخل في إسرائيل وارداً على المستوى النظري إلا أن الواقع الحزبي في إسرائيل في الوقت الراهن يشير إلى أن الأمور تمضي في سياقات معقّدة. فالبدائل في الداخل ليست عديدة، ووصول حكومة وسط أو يمين معتدل صعب للغاية في ظل مزايدات الأحزاب على مختلف برامجها، كما أن هذه الأحزاب اليمينية تريد البقاء في السلطة، ويستوي في ذلك أحزاب المتدينين والأحزاب اليمينية الأخرى التي تريد الانخراط في الائتلاف، كما أن رئيس الوزراء الحالي نتنياهو سبق، وأن أعلن أنه سيسعى إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، أي أنه يريد ضم كل الأحزاب إلى الحكومة الجديدة لكي يغلق الباب أمام أي رهانات تمضي في طريق آخر، خاصة أن مكوّنات الائتلاف الراهن بما فيها الأحزاب الدينية حصلت على مزايا كبيرة لم تحصل عليها من قبل، ما يؤكد أن البدائل قد لا تكون الحل لانتظار حكومة تتجاوب مع الطرح الراهن للتهدئة.
ثانياً: تحاول الإدارة الأميركية الدخول على خط التغيير، لكن الإشكالية الرئيسة أن المعارضة ورمزها يائير لابيد أو نفتالي بينت الذي سبق وأن شغل موقع رئيس الوزراء، إضافة ليائير جولان أو بيني أشكنازي، ليس لديهم القدرة على منافسة نتنياهو في هذا التوقيت.
والمؤكد أن «ليكود» سيتقدم لكنه لن يستطيع تشكيل حكومة بمفرده، وأنه سيعمل على الحاق الأحزاب الدينية في دائرة الائتلاف، بل قد تدخل مكونات الائتلاف الديني أيضاً ما يعني أنه قد لا يحدث التغيير المنشود، بما قد يبقي كل الخيارات الراهنة في موقعها إلى حين حدوث تطورات مفصلية من بعض الأطراف يمكن أن تدفع بقوة إلى التغيير.
تنفيذ الخطة الأميركية، وبدء الانسحابات في غزة على سبيل المثال، مرتبطان بهدف رئيسي لدى أي حكومة ستشكل في إسرائيل بضرورة إنهاء حكم «حماس» على الأرض وتصفية وجودها في القطاع، والبدء في نزع سلاح الحركة لا تخزينه، وهو أمر سيظل محور التفاوض، ما يعني أن أي حكومة جديدة في إسرائيل لن تسقط هذا الهدف، كما أن تنفيذ اتفاق لبنان سيتطلب الانتقال من الأهداف العسكرية والأمنية وعدم الخروج من المنطقة الأمنية والخط الفاصل إلى تنفيذ استحقاق السلام الرسمي، وهو أمر يصعب تنفيذه في ظل بقاء «حزب الله» رافضاً لأي خيار وفي ظل تعقد المشهد اللبناني بالفعل.
سيحتاج المشهد في مجمله إلى مراجعة من مواقف الأطراف الرئيسة، فالولايات المتحدة مطالبة بأن تعمل في اتجاهات محددة وضرورة الضغط على الحكومة الإسرائيلية الحالية، ودون انتظار لما سوف يجري في الداخل الإسرائيلي على اعتبار أن ما سيأتي به الجمهور الإسرائيلي هو الذي سيحكم إسرائيل في السنوات المقبلة، ويستطيع ترامب أن يترجم الأقوال إلى أفعال، ويتحرك في مساحات رئيسية هدفها تنفيذ خطة السلام في غزة، وتفعيل الاتفاق مع لبنان مع إدراك أن إسرائيل، قد تطلب المقابل من خلال اتفاقية التعاون العسكري التي من المفترض تجديدها في العام 2028.
إسرائيل تريد أن تؤكد شراكتها مع الولايات المتحدة من الآن، مع قرب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، والتحسب لاحتمالات التغيير –وهو أمر محتمل– بعد رحيل الإدارة الراهنة، وبرغم أن مسألة إسرائيل ليست محل لأي تنازع بين «الجمهوريين» أو «الديمقراطيين»، فإن إسرائيل يمكن أن تحصل على المقابل إذا مضت في مسار الحل في غزة، أو لبنان، كما أن الوسطاء عليهم دور في إقناع الطرف الآخر ممثلاً في حركة «حماس»، أو «حزب الله» بضرورة العمل معاً من أجل التوصل إلى حل، وتنفيذ الاتفاق مع التأكيد على وجود دور لإيران في هذا السياق، إذا مضي الاتفاق مع الإدارة الأميركية، ولم تتعثر مذكرة التفاهم المشتركة.
يبقي التأكيد إذاً على أن الحل قد يكون إجراء مقايضات مباشرة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع توفير ضمانات من الأطراف المعنية لتفعيل مسار الحل الإقليمي، عبر تنفيذ الاتفاق في غزة، وتقبل مسار التسوية في لبنان حيث لن تكون الحلول -وفق الرؤية الإسرائيلية- من دون ثمن، مع سعي الولايات المتحدة لتوفير المقابل لحكومة نتنياهو، أو أي حكومة قادمة في إسرائيل بصرف النظر عن مكونات ائتلافها.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.