كيف ينبغي للولايات المتحدة استخدام الذكاء الاصطناعي لردع الحرب، وإذا لزم الأمر، لخوضها بطريقة عادلة وأخلاقية؟ يثير هذا السؤال خلافاً عميقاً، حيث احتج موظفون في شركتي «غوغل» و«مايكروسوفت» على مشاريع الذكاء الاصطناعي المخصصة لأغراض عسكرية، وذلك قبل وقت طويل من انتشار برامج مثل «كلود» و«شات جي بي تي». واليوم تخوض شركة «أنثروبيك» بدورها خلافاً مماثلاً مع وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون»، إذ تعارض استخدام هذه التكنولوجيا في العمليات القتالية.
وتعتبر تلك المخاوف مفهومة، فلا أحد يرغب في أن يشهد مستقبلاً تُقرر فيه جيوشٌ آلية، تعمل من دون إشراف أو قرار بشري، مصيرَ الحرب والسلام.
لكن لا بد من مواجهة الواقع، حيث تخوض الولايات المتحدة سباق تسلح تكنولوجي مع خصومها، ويُعد الذكاء الاصطناعي حجر الأساس في هذا السباق. وبالنسبة للشركات والأفراد العاملين على بناء الجيل القادم من القوة العسكرية الأميركية، لا يُعتبر الذكاء الاصطناعي والاستقلالية مجرد مفاهيم مجردة، بل ابتكارات ستُحدد مسار العقود القادمة، وستُؤثر على مصير الحروب المستقبلية، سواء بالردع أو بالخوض.وهذا النقاش ليس بجديد. ففي مايو الماضي، حذر البابا ليو الرابع عشر، بابا الفاتيكان، من مخاطر «سباق التسلح التكنولوجي». فهل يُمكن التوفيق بين الأخلاق الدينية وهذا الواقع الجيوسياسي الجديد؟
انطلاقاً من خبرتنا المهنية ومبادئنا الأخلاقية، نرى أن هناك مبرراً أخلاقياً يدفع الولايات المتحدة إلى بناء ترسانة تكنولوجية متفوقة، لخوض حروب دقيقة بدلًا من حروب الضربات العشوائية، ولحماية الأرواح البشرية، مدنيين ومقاتلين على حد سواء.ويمكن تحديث نظرية «الحرب العادلة»، كأي نظام تشغيل راسخ، لمواكبة الظروف الجديدة، لكن دون التخلي عنها. فالصواريخ فرط الصوتية لا تشبه أقواس وسهام الملك هنري الخامس في معركة أجينكور. ومع ذلك، يجب أن يستند استخدام الأسلحة إلى مبادئ راسخة هي التناسب، وحسن النية، والسلطة الشرعية، واللجوء إليها كملاذ أخير.
ولطالما تأثر النهج الأميركي في القتال بتلك النظرية، حتى خلال فترات التطور التكنولوجي السريع في ساحة المعركة. فقد وضعت الولاياتُ المتحدة بعضَ أوائل القوانين الرسمية للحرب العادلة خلال الحرب الأهلية. وترسخت «الواقعية الأخلاقية» بعد أن أنهت القنابلُ الذريةُ الحربَ العالميةَ الثانية. وفي كل عصر، جرى تكييف عناصر من نظرية الحرب العادلة لوضع مبادئ لكيفية استخدام الأسلحة الجديدة.
وينطبق ذلك على عصرنا الحالي، فقواعد البنتاغون بشأن استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل تعود إلى عهد إدارة أوباما، وتخضع لمراجعات مستمرة. كما أن الأسلحة غير المأهولة موجودة في الترسانة الأميركية منذ عقود. ورغم اختلاف قدراتها عن التي يجري تطويره اليوم، إلا أنها دائماً ما تطلبت إشرافاً من خلال سلسلة قيادة مطلعة وخاضعة للمساءلة القانونية. وتزيد الأسلحةُ التي تعمل بالذكاء الاصطناعي من إلحاح هذه النظرية.
ويُبرز تدهور الوضع الأمني العالمي تلك القضايا، فقد يصف البابا ليو «الحوار» و«الدبلوماسية» و«التسامح» بأنها الأدوات الأساسية للسياسة الحديثة، لكن لا يوجد دليل يُذكر على موافقة خصوم الولايات المتحدة على ذلك. وبينما دعا العديدُ من القادة السياسيين والدينيين إلى الانفراج الدولي في القرن الماضي، عانت أوروبا والاتحاد السوفييتي من ويلات الحرب. وبالنظر إلى الماضي، يصعب إنكار أن أميركا كانت على صواب في صراع طويل الأمد أدى في نهاية المطاف إلى تحرير العالم. وحتى ونحن ندعو للسلام، يجب عليها أن تستعد دائماً لمواجهة خصوم يسعون إلى الحرب.
وبالنظر في حالتين لكيفية استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل. قد تستخدم بطارية دفاع جوي أميركية أنظمة ذاتية التشغيل لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. وقد تُطور الولايات المتحدة، بالشراكة مع أحد حلفائها، غواصاتٍ آليةً، وطائراتٍ مقاتلةً من دون طيار، وطائراتٍ هجوميةً مسيرةً، وغيرها، لصد أي غزو لأراضي ذلك الحليف. وفي كلتا الحالتين، بما يثبت الفعالية العملياتية والاستخدام المشروع للأسلحة الآلية.
وقد أثبت الردعُ نجاحَه أكثر من نزع السلاح، وسيكون الغرب هو الطرف الوحيد الذي يتراجع إذا أوقف تطوير التقنيات العسكرية. وإذا ما تخلفت الولايات المتحدة في هذا السباق، فقد تتغير طبيعة الحروب المستقبلية، عبر استخدام دولة أخرى كلاباً روبوتية مسلحة وطائرات غير مأهولة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، واعتماد ثالثة طائراتٍ مسيرةً ذاتية التشغيل بالكامل في ساحة الحرب. ولن تمنع الدعوات إلى السلمية اندلاع تلك الحروب، كما أن الولايات المتحدة وحلفاءها مطالبون بتطوير تقنيات عسكرية جديدة لردع أي عدوان محتمل.