كما هي العادة كل أربعة أعوام، تسيطر أحداثُ كأس العالم على أخبار العالم السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. التصفيات الكروية الحالية غطّت على الصراع الإيراني الأميركي المتجدد، وعلى قمة «الناتو» في تركيا، والحرب الأوكرانية، والأزمة السياسية البريطانية، وموجة الحر الفظيع الذي يجتاح المعمورة حالياً. المعطياتُ المنشورة تفيد بأن حركية متابعة المباريات وصلت مستوى غير مسبوق في مختلف بلدان العالم، واخترقت كلَّ الطبقات والفئات الاجتماعية دون تمييز.
والمفارقة الكبرى هي أن الباحثين في السوسيولوجيا والعلوم السياسية قد بيّنوا في العقود الماضية أن العالَمَ كلَّه، بما فيه الدول الليبرالية الديمقراطية، يشهد عزوفاً متزايداً عن أشكال التعبئة السياسية الأيديولوجية، بما ينعكس بوضوح في المنافسات الانتخابية والتظاهرات العمومية والحركات الاحتجاجية.
وقد تحدّث البعضُ قبل سنوات عن أزمة المجال العمومي نفسه، بمعنى انكفاء الأفراد حول أنفسهم إلى حد أن ثقافة الميدان العام انحسرت كلياً، بعد أن كان هذا الميدان منذ الثورات الأوروبية في القرن الثامن عشر حقلَ التعبير عن التمثلات والمواقف الجماعية.
ظاهرةُ انحسار المجال العمومي طالت في المجتمعات الليبرالية الغربية الممارسةَ الدينيةَ، فتحولت الكنائسُ عموماً إلى أماكن مهجورة، كما طالت في السنوات الأخيرة قاعاتِ المسارح والسينما والترفيه الشعبي.
وحدها الملاعبُ الرياضيةُ لا تزال تستقطب الجموعَ الواسعةَ، خصوصاً في مناسبات كأس العالم الدورية. بعضُ أسباب هذا الاستقطاب راجعٌ إلى رمزية الهويات الوطنية التي تتجسد في مشاعر الوقوف مع المنتخبات المحلية في حلبة صراع الكرة تعبيراً عن وشائج الانتماء والتعصب القومي، وبعض الأسباب له علاقة بالبيئة الجيوسياسية العالمية من حيث محددات العلاقات الدولية الحالية وصعود كتلة الجنوب الشامل التي لها حضورٌ لافتٌ في الرهانات الكروية (أميركا اللاتينية وأفريقيا).
 لقد تحدث الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك عن انتقال العالم الراهن من نموذج التنظيمات الطبقية والاجتماعية الثابتة إلى نموذج المجموعات الشعورية اللحظية الذي يتناسب مع الثورة الرقمية وبروز الوسائط الاجتماعية التواصلية الحالية.
وهكذا يكون ملعب كرة القدم من الفضاءات الرمزية الشعورية الجديدة، حيث تتشكل مجموعاتٌ مؤقتةٌ على أساس تشجيع الفرق الرياضية، تمارس طقوساً احتفائيةً قويةً لها أناشيدُها وشعاراتُها وحركاتُها الاستعراضية. وبذا تكون رياضة كرة القدم داخلة في سماه سلوتردايك «التقنيات الأنتربولوجية»، وهي الممارسات والأفعال التي يقوم بها الإنسان لترويض جسمه وروحه، وقد كانت في الماضي تتركز في الشعائر الدينية وغدت اليوم تتجلى أساساً في الرياضات والفنون.
منذ عصور الحداثة، تَكرس المفهومُ السياسي للجماعة من حيث هي رابطةٌ قانونيةٌ تعاقديةٌ مصطنعةٌ، في مقابل الهويات العضوية الطبيعية، مثل القبائل والأعراق والطوائف والملل. وقد انعكس هذا التصور في المجال الرياضي والترفيهي من خلال الأندية الحرة التي هي تشكيلاتٌ عابرةٌ للانتماءات الخصوصية.
لم تعد المناسباتُ الرياضيةُ طقوساً دينيةً أو اجتماعيةً، بل دخلت في منطق الدولة الوطنية، ومن ثم اكتست دلالةً جديدة كتعبير عن الهوية المشتركة الحديثة، لكنها اختزنت هالةً التمجيد التي يعتبر الفيلسوفُ الإيطالي جورجيو أغامبن أنها مستمدةٌ من المعجم اللاهوتي القديم.
و هكذا ندرك التداخل الكثيف بين الكرة والسياسة في التاريخ المعاصر. في البرازيل، خلال الستينيات، أصبح اللاعب الشهير بيليه رمزَ الأمة الأساسي وصورةَ البلد الناهض. وفي ثمانينيات القرن الماضي تحول اللاعب الأرجنتيني مارادونا إلى بطل الطبقات الشعبية، إلى حد أن شعبيته فاقت شعبية كل الزعماء السياسيين، وكان الزعيم الكوبي الأشهر فيدل كاسترو من أبرز أصدقائه، بل كان يُنظَر إليه في اليسار اللاتيني الأميركي أنه «تشي غيفارا الجديد» رغم أن نشاطه كان محصوراً في كرة القدم.
 وفي الحقبة الحالية، عرف عدد من القادة والسياسيين باهتماماتهم الكروية، بل بممارسة لعبها أيضاً، مثل الرئيس البرازيلي السابق بولسونارو والرئيس الأوكراني الحالي زيلينسكي والرئيس التركي أوردغان.. إلخ. وكان الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك شديد التعلق بالكرة، إلى حد أن كل استطلاعات الرأي تؤكد أن فوز بلاده بكأس العالم سنة 1998 رفع شعبيتَه إلى مستوى أهَّله لتجديد ولايته في الدورة الرئاسية التي نُظمت بعد أربع سنوات من مونديال باريس.
 وفي كل مرة تنظم مباريات كأس العالم، تتجدد الاتهامات للاتحاد الدولي لكرة القدم بعدم الحياد في تنظيم المنافسات الكروية، وهو ما برز مؤخراً في اتهامه بإقصاء الفرق العربية والإفريقية في الأشواط المتقدمة من السباق. وأشار البعض إلى تدخل الرئيس ترامب لصالح اللاعب الأميركي فولارين بالوغون الذي صدرت بحقه بطاقة حمراء كان من المفروض أن تحرمه من الاستمرار في المنافسة. بيد أنه مما لا شك فيه أن الممارسةَ الكرويةَ دخلت في السنوات الأخيرة منطقَ العولمة الاقتصادية والمالية التي تتحكم فيها الدولُ الصناعية الرأسمالية الكبرى.


*أكاديمي موريتاني