أقام ليوناردو دافينتشي أعوامه الثلاثة الأخيرة، الممتدّة بين عامي 1516 و1519، في مسكنه بـ «كلو لوسي» قرب «أمبواز» في فرنسا، ضمن وادي اللوار الشهير. واللوار (Loire)، المعروف قديماً بـ «ليجِر» (Liger)، اسم ذو جذور كلتية، يُرجّح ارتباطه بالطمي والرواسب التي يحملها النهر، في منطقة تُعَدُّ تاريخيّاً قلب عصر النهضة الفرنسية، حيث استضافه الملك فرنسوا الأول. كان مسكنه محاطاً بحدائق طبيعية تضم أشجاراً مثمرة من التفاح والكمثرى والجوز، وأعشاباً ونباتات طبية، تتخلّلها ممرات ضيقة تنفتح على امتداد الوادي، حيث تنساب من حوله المياه بهدوء، وتتناثر الحقول والبساتين، وتتدرّج ألوان السماء مع حركة الضوء على مدار النهار. لم تكن الطبيعة هناك صاخبة كما عرفها في إيطاليا.
في تلك الأجواء، واصل التفكير والكتابة ومراجعة دفاتره، حاملاً بعض أعماله الكبرى، إذ يُرجّح أنّه كان يحتفظ بـ «الموناليزا»، و«القديسة آن»، و«القديس يوحنا المعمدان» معه في فرنسا، وهو ما مهّد لاحقاً لانتقالها إلى المجموعات الملكية الفرنسية، ثم إلى متحف اللوفر. وبقيت إيطاليا حاضرة في وجدانه، فكلّما اشتاق إلى موطنه الأم، عادت به الذاكرة إلى أيامٍ مليئة بالإنجازات والمغامرات، تداخل فيها الألم والمعاناة، وتُوِّج بعضها بفرحٍ داخليٍّ مع اكتمال كلّ عمل.
جلس دافينتشي في مشغله، محاطاً بأوراق امتلأت بخطوط ورسوم وقياسات، إذ كان الرّسم لديه وسيلة للتعرّف إلى أعماقه، وإلى صلته بالعالم من حوله. وبين الملاحظة والتجربة، كتب ورسم، وهو مدرك أنّ ما يضعه على الورق سيظل محاولة مستمرة لاستيعاب ما يراه ويختبره. عاد بذاكرته إلى «فينتشي» مسقط رأسه في الريف الإيطالي، حيث قضى طفولته بين التلال وجداول المياه والحقول، تعلّم فنّ الملاحظة، وتمرّس على حِدّة الانتباه والتركيز، قبل أن يتقن قواعد الفنّ الأكاديمي، إذ كانت الطبيعة معلّمه الأول، منها اكتسب الإنصات قبل التحليل، والمشاهدة المتأنّية قبل التعبير.
كان يحمل كراسة ملاحظاته تحت ذراعه، وأعواد الفحم وأقلامه المتنوعة في حقيبة جلدية معلّقة على كتفه، متنقلاً بين الأشجار والزهور البرية، وسط مشهد الوديان من بعيد. وفي إحدى تلك الصفحات، دوّن خلاصة تأمله في أحضان الطبيعة: «إنّ الطبيعة لطيفة معنا، لأنّها تجعلنا نعثر على المعرفة حيثما أدرنا وجوهنا في هذا العالم».
في مرسمه، بينما هو جالس على مقعده الخشبي أمام طاولته، تساءل بهمس خافت: كيف تتحوّل الفكرة إلى صورة في المخيلة؟ وهل يتشكّل تجسُّدُ الصورة بدافع العاطفة، أم عبر الفكر، أم من التقاء الاثنين معاً؟ ثمّ مرّر يده فوق مفكرته الجلدية ذات الورق المصنوع يدويّاً، المحمّلة برسومات تشريحية وفرضيات دوّنها بخطه. لم يكن هذا الكرّاس دفتراً عاديّاً، كان أقرب إلى مختبر متنقّل، تتجاور فيه ملاحظاته ونتائج تجاربه ورسوماته، من دون الفصل بين الفنّ والعلم والمعرفة. وبينما كان يحمل الريشة المشبعة بالحبر، خطرت له فكرة تُفسّر جزءاً من هذا اللغز: إنّ الصورة الذهنية لا تبلغ دقّتها إلا حين تُبلورها الخبرة البصرية، فالنظر المتأنّي في الأشياء يصقل التفاصيل، ويمنح الصورة ما تحتاج إليه قبل أن تجد طريقها إلى الورق. وكما يتحوّل الضوء على شبكية العين إلى إشارات تنتقل إلى الدماغ، فيتولّى العقل قراءتها وتنظيمها، تتّضح الصورة في المخيلة غنيةً بالدلالات.
وقد سبقت رؤيةَ دافينتشي في هذا المجال محاولات علمية سعت إلى تفسير الظاهرة، ومن أبرزها ما قدّمه ابن الهيثم، إذ دحض نظرية بطليموس القائلة بخروج الأشعة من العين، ووضع مبدأ الرؤية القائم على انتقال الضوء من الأجسام إلى العين، وأثبت أنّ الضوء يصل إليها عبر ارتداده عن الأجسام. وفي المقابل، فسّر يوهانس كبلر لاحقاً النظام الداخلي للرؤية، أي كيفية تشكّل الصورة على الشبكية داخل العين، ضمن خبرة حسّية يمرّ بها المشاهد. ويُستنتج من ذلك أنّ إدراك هذه التجربة يتأثر بمستوى وعي الفرد وفهمه وما راكمه من تجارب حياتية.
شكّل هذا التصور أساساً لتحوّل الفنون من المشاهدة إلى المراقبة المتعمّقة، وكان دافينتشي من القلائل الذين حوّلوا هذه التقنية إلى ممارسة حيّة، إذ انشغل طويلاً بتشريح العين، ورسم مخاريط الضوء، وتقصّى مساراته، في محاولة لفهم كيفية انتقال المشهد من العالم الخارجي إلى مختبره الداخلي، ثمّ ارتداده من الداخل إلى الخارج عبر الفنّ.
في مطلع القرن السادس عشر، حين بلغ دافينتشي ذروة تراكمه الفني والمعرفي، أنجز خريطة مدينة «إيمولا» عام 1502، عملاً غير مسبوق، في زمن لم يكن الطيران قد اكتُشف فيه بعد. رسم ليوناردو المدينة بمنظور عين الطائر (Bird's-Eye View). لقد قام بمسح أرضي دقيق، إذ تتبّع شوارعها، وقاس المسافات بالخطوات والأدوات، وسجّل الزوايا والانحناءات بدقة، ثمّ أعاد تمثيل المدينة ذهنيّاً، معتمداً على مبادئ الهندسة الإقليدية في قياس المسافات والزوايا وتنظيم الحيّز العمراني.
استمدّ دافينتشي ألوانه من معادن وأتربة ونباتات، عالجها بنفسه عبر الطحن والمزج والتجفيف، واضعاً لكلّ لون خصائصه الفيزيائية، حيث استخرج الأزرق من حجر اللازورد (Ultramarine) ومن الأزوريت، والأحمر من أكاسيد الحديد والقرمزي النباتي، والأصفر من المغر (Ochre)، والأسود من الفحم والعظام المُحرَقة، كما استخدم الرصاص والكلس في تحضير الصباغ الأبيض، وكان يختبر تفاعلها مع الضوء ومع طبقات الطلاء والزيوت، مراقباً ما يطرأ عليها من تحوّلات بمرور الوقت.
لم يكن دافينتشي يبحث عن إجابات تكهّنية أو يكتفي بإسقاطات غيره دون اختبارها بالتجربة الذاتية، إذ كانت كلّ مراجعة وتجربة تُعمّق أسئلته، وتغذّي فضوله نحو مزيدٍ من التعلّم والاكتشاف، وتمنح أدواته خبرةً تقنيّةً أدقّ، فبقيت أعمال كثيرة غير منجزة، ليُعاد النظر فيها من زاوية أخرى كلّما أفضت التجربة إلى سؤال جديد، أو إلى جوابٍ ينتظر صياغته الفنية.
لقد ظلّ السؤال مفتوحاً في دفاتر دافينتشي: كيف تتغيّر درجات اللون بفعل الهواء والمسافة؟ وهل اللون خاصية كامنة في الضوء، أم تجربة تتشكّل عبر العين؟ كانت هذه التساؤلات جزءاً من أسئلة أخرى في مجالات متعدّدة، ثمّ اتخذ الجدل مساراً أوسع مع إسحاق نيوتن وغوته، إذ قدّم كلٌّ منهما تفسيراً مختلفاً، ليظهر لاحقاً أنّ اللون يتكوَّن تبعاً لاختلاف أطوال موجات الضوء وتردّداتها.
وأخيراً، كما تتشكّل الرواسب الطينية في مجرى النهر عبر الزمن، تتكوَّن خبرات الإنسان بتراكم التجارب في طبقات تتداخل ولا تنفصل، فبين الضوء والظلّ تتبلور الرؤية، وتلوح ملامح ما يُخفيه الظلّ. كذلك تمضي حياة الإنسان بين الوعي واللّاوعي، وسط النجاح والفشل، وبين التجربة ووعيها، في مواجهة الإخفاقات وما تخلّفه من عِبَر. فالمعرفة الحقّة ليست وصولاً، بل عبورٌ، وليست النتيجة نهاية، بل عتبة لما يليها.