حين أُعلنت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، بدا أن المنطقة حصلت على فرصة لالتقاط الأنفاس. غير أن ما تلاها كشف أن وقف إطلاق النار لم يكن نهاية للمواجهة، وإنما كان توقفاً مؤقتاً في مسارها. فالهجمات على السفن في مضيق هرمز، ثم الضربات الأميركية الجديدة، أعادت المنطقة سريعاً إلى مساحة رمادية لا يمكن وصفها بالحرب الشاملة، ولا اعتبارها سلاماً مستقراً.
المشكلة لم تكن في صيغة المذكرة بقدر ما كانت في السلوك الذي أعقبها. فقد بُنيت التفاهمات على أساس حماية الملاحة وتهدئة التصعيد، بينما بقيت أدوات الضغط نفسها حاضرة على الأرض. وعندما عاد استهداف السفن التجارية، انهار الأساس الذي قامت عليه التفاهمات، وعادت القوة العسكرية لتفرض نفسها باعتبارها وسيلة إدارة الأزمة، بعدما عجزت السياسة عن تثبيت ما تم الاتفاق عليه.
ولم تعد المواجهة تدور حول البرنامج النووي وحده، ولا حول العقوبات الاقتصادية فقط، وإنما أصبحت حرية الملاحة في مضيق هرمز جزءاً من جوهر النزاع. وباتت ورقة هرمز في الحسابات الإيرانية أثقل من مخزون اليورانيوم، لما تمنحه طهران من قدرة مباشرة على الضغط في أسواق الطاقة والملاحة الدولية. وأصبح المضيق اختباراً يومياً لقدرة المجتمع الدولي على حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بعدما تحول إلى ساحة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية.
ومع تحول مضيق هرمز إلى مركز المواجهة، امتدت كلفة الصراع إلى دول الخليج بصورة مباشرة. فقد استهدفت إيران سفناً ومنشآت في المنطقة، وواصلت نقل الرد على الضربات الأميركية إلى اعتداءات متجددة تطال دول الخليج والأردن. ويكشف السلوك الإيراني المعادي أن طهران تستخدم الخليج مساحة للضغط كلما ضاقت خياراتها أمام واشنطن.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة عن تلك التي أعقبت مذكرة التفاهم. فقد استأنفت الولايات المتحدة حصارها البحري على إيران، ووسعت عملياتها العسكرية ضد القدرات الساحلية ومنصات الصواريخ والطائرات المسيّرة المرتبطة بتهديد الملاحة، كما أخطر الرئيس دونالد ترامب الكونجرس رسمياً باستئناف الأعمال القتالية. وطالت الهجمات الإيرانية ناقلات تجارية إماراتية في المياه الإقليمية العُمانية، في تصعيد تجاوز حدود المواجهة الأميركية الإيرانية إلى استهداف مباشر لأمن المنطقة وحركة التجارة الدولية، ما يعكس أن الأزمة لم تعد تدور حول الاتفاق الذي انهار، وإنما حول فرض قواعد جديدة للاشتباك والسيطرة على المضيق.
ومع اتساع دائرة المخاطر، لم يعد أمن مضيق هرمز قضية خليجية أو أميركية فقط. فقد برز إدراك أوروبي متزايد بأن أمن الطاقة العالمي وسلاسل الإمداد يرتبطان مباشرة باستقرار الخليج، وبدأت نقاشات أكثر جدية حول مهمات بحرية أوروبية لحماية الملاحة. ويؤكد ذلك أن آثار الأزمة تجاوزت الإقليم، وأصبحت تمس الاقتصاد العالمي بصورة مباشرة.
وكشفت جنازة علي خامنئي جانباً آخر من المرحلة الجديدة في إيران. فقد أرادها النظام استعراضاً للتماسك بعد الحرب، إلا أن غياب المرشد الجديد عن المشهد، والحضور الطاغي للحرس الثوري، أظهرا انتقال مركز القرار نحو المؤسسة العسكرية والأمنية. وفي تحول يرجح استمرار نهج التصعيد، باتت القوى الأكثر تشدداً صاحبة التأثير الأكبر في رسم العلاقة مع واشنطن ودول المنطقة.
وتفرض هذه المعطيات على دول الخليج مراجعة تتجاوز البحث عن هدنة جديدة. فتنويع مسارات تصدير الطاقة، وتطوير البدائل اللوجستية، وتعزيز التنسيق الدفاعي، يقلل من قدرة طهران على استخدام هرمز أداة للابتزاز. وكلما تراجع اعتماد التجارة والطاقة على المضيق، فقدت إيران إحدى أهم أوراقها في إدارة المواجهة.
لهذا، تبدو المنطقة اليوم في مرحلة انتقالية يصعب تصنيفها. فالحرب لم تعد شاملة، والسلام لم يترسخ، بينما تتغير قواعد الاشتباك بوتيرة أسرع من قدرة المسارات السياسية على اللحاق بها. وما لم تضع أي تسوية مقبلة حداً لمصادر التهديد، ستبقى المنطقة تتحرك بين تصعيد مؤقت وهدنة مؤقتة، من دون أن تبلغ الاستقرار الذي تنتظره.
كاتب إماراتي