منذ الثلث الأخير لعام 2026 شهد الخليج العربي سلسلة من الحروب المدمرة، بعضها خاطف واستمر لأيام قليلة وبعضها الآخر استمر لما يقارب أربعين يوماً أو نيف. بالنسبة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإن جميع تلك الحروب، وما يشهده الخليج العربي حالياً من حالة اللا سلم واللا حرب، هي أمور عبثية تقلق السلام والوئام في المنطقة وتعرقل مسيرة التنمية الشاملة التي تضطلع بها وتحقق نجاحات أفادت الإنسان والأوطان ونقلت المنطقة وشعوبها إلى أوضاع مستجدة فيها من الرفاهية والأمن والعيش الكريم ما يحسدها عليه جميع شعوب الأرض من مغاربها إلى مشارقها. وفي جميع الحالات إيران هي المتسبب في كل ما يحدث على صعيد المنطقة العربية وجوارها الجغرافي من توترات وقلق وعدم استقرار، دع عنك جانباً الحروب العبثية الدائرة.
ما تتسبب فيه إيران من أذى لدول مجلس التعاون الخليجي وللمجتمع الدولي وللسلام والأمن العالمي يتمحور حول قضايا محددة كثر الحديث عنها يبدأ منذ أن وصل نظام الملالي إلى السلطة عام 1979 ولن نعيد تكرارها، لكن المحير في الأمر أنها تنطلق من صور ذهنية كاذبة حول ولاية الفقيه وتصدير الثورة إلى الجيران وحق إيران في قيادة منطقة الخليج العربي والعالم العربي وادعاءات بالمظلومية مستمرة وغير واقعية بكون جيرانها العرب مستمرون في ظلمها اقتصادياً وجيوبوليتيكيا، هذا غير الادعاءات الأيديولوجية الطائفية والمذهبية.
ما يلاحظ في هذه المرحلة أن الحرب التي عادت تستعر أوارها من جديد قد تتغير عناصر استراتيجياتها وتكتيكاتها وكذلك أهدافها المزمع تحقيقها، وقد تتحول إلى حرب برية تدخل من خلالها قوات الولايات المتحدة الأميركية إلى الأراضي الإيرانية في مناطق استراتيجية حساسة من قبيل جزيرة الجسم (قسم) وجزيرة «خرج»، ومناطق أخرى واقعة على مضيق هرمز، وربما مواقع استراتيجية واقتصادية أخرى في الأحواز وجنوب إيران، بمعنى احتلال أجزاء مهمة من إيران في عدة مناطق. ولو حدث وإنْ دخلت قوات من الولايات وحلفائها إيران، فإنهم لن يخرجوا منها سريعاً أو قريباً، وسيكون لذلك آثاره المستقبلية ليس على إيران وحدها، ولكن على جميع الدول المحيطة بها، سواء المطلة منها على الخليج العربي أو الواقعة في مناطق أخرى كروسيا ودول آسيا الوسطى.
وعلى ضوء الممارسات الإيرانية الحالية في المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية من أجل عقد اتفاقية سلام، وهي ممارسات تتسم بمناورات والتفافات وعدم مصداقية إيرانية وتسويف وإضاعة للوقت، نستطيع الاستنتاج من ناحية تحليلية بأن إيران تتصرف وفقاً لاتجاهات متباينة، فوزارة الخارجية الإيرانية من خلال وزيرها عباس عراقجي يتحرك على صعيد الدبلوماسية، والحرس الثوري من خلال قيادة غير كفؤة يتحرك على الصعيد العسكري، وكل منهما يغني على ليلاه وبطريقته الخاصة.
وحقيقة ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الحالة هي توزيع أدوار مدروسة، يلعب فيه كل طرف دوره بدقة من أجل الوصول إلى نهايات معلومة محددة سلفاً، أم هي انشقاقات عميقة في داخل النظام، تقود إيران إلى الهاوية. وفي وسط ذلك تتعامل كافة الأطراف الإيرانية مع دول المجلس بكونها غير متأثرة بكل هذه التداعيات، وتركز في تعاملها على الولايات المتحدة الأميركية، وهذا خطأ استراتيجي مدمر، وقعت فيه إيران منذ الأيام الأولى للثورة، وهو يقود النظام الإيراني من فشل فادح في سياسته الخارجية إلى ما هو أسوأ وأدهى وأمر. بالنسبة لعلاقات إيران في الخليج العربي، فإن دول المجلس هي الأساس، وكل من عداها عابر سيأخذ وقته ثم سيمضي إلى حال سبيله، لكن هل توجد عقول تفكر بعقلانية في إيران؟
*كاتب إماراتي