طوال أكثر من أربعة عقود، كان مضيق هرمز يمثل بالنسبة لإيران ورقة ردع تُلوِّح بها كلما اشتدت الضغوط عليها. كان مجرد التهديد بإغلاقه كافياً لإرباك الأسواق ورفع أسعار الطاقة واستدعاء الوسطاء، من دون الحاجة إلى استخدامه فعلياً. أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة الورقة نفسها. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بإغلاق المضيق أو فتحه، بل بمحاولة الانتقال من التهديد بتعطيله إلى فرض شروط على من يعبره وكيف يعبره. وهنا يكمن التحول الأخطر في الأزمة. فالدول تستخدم أوراق الردع لتحسين شروط التفاوض أو لمنع الحرب، لكن ما شهدناه في هرمز تجاوز التهديد التقليدي. نظام إذن مسبق، ومسارات عبور مصرح بها، وفرض رسوم على بعض السفن تجاوزت مليون دولار، وتهديد السفن التي تعبر من دون تصريح. هذه الممارسات، إذا استمرت وتحولت إلى أمر واقع، تطرح سؤالاً يتجاوز الحرب نفسها: من يملك حق تحديد قواعد المرور في أحد أهم الممرات البحرية الدولية؟
لقد أثبتت الأشهر الماضية أن استخدام ورقة هرمز لم ينهِ الأزمة، بل غيّر طبيعتها. فبعد توقيع مذكرة إسلام آباد في منتصف يونيو 2026 بوساطة باكستانية، وعودة الملاحة مؤقتاً ورفع الحصار البحري الأميركي، لم تصمد التسوية طويلاً، وعادت المواجهة البحرية إلى الواجهة. وبصرف النظر عن الاتهامات المتبادلة بشأن خرق الاتفاق، فإن الخلاف كشف عن قضية أعمق من وقف إطلاق النار: هل تستطيع دولة مشاطئة لمضيق دولي أن تحول سيطرتها العسكرية المؤقتة على حركة الملاحة إلى سلطة فعلية تحدد بموجبها شروط العبور؟
من وجهة النظر الإيرانية، تستطيع طهران القول إنها تتحمل أعباء تأمين الملاحة وحماية الممر وإزالة المخاطر، وإن للدول الساحلية حقوقاً مرتبطة بأمنها. لكن هذه الحجة تضعف عندما يتحول تنظيم الملاحة إلى إذن مسبق ورسوم إلزامية وتهديد باستخدام القوة ضد من لا يلتزم بالشروط التي تفرضها دولة واحدة. فالمضائق المستخدمة للملاحة الدولية تخضع لقواعد تحمي مبدأ المرور العابر، ولا تمنح الدولة الساحلية حق تعطيل هذا المرور أو إخضاعه لإرادتها المنفردة.
الخطر، إذاً، ليس في أن إيران تمكنت من تحويل مضيق هرمز إلى مياه تخضع لسيادتها الكاملة، فهذا لم يحدث. الخطر في محاولة فرض واقع بالقوة يمكن، إذا طال أمده أو قوبل بالصمت، أن يتحول تدريجياً إلى قاعدة يتعامل معها العالم باعتبارها أمراً واقعاً. وهنا تحديداً تكمن أهمية الرد الدولي، لأن السوابق لا تبدأ دائماً بنصوص قانونية، بل قد تبدأ بواقع مؤقت يستمر حتى يعتاد العالم عليه.
لكن المفارقة أن هذه الاستراتيجية تحمل في داخلها عناصر إضعافها. فإيران نفسها تعتمد على مضيق هرمز لتصدير نفطها، وكانت الصين الوجهة الرئيسية لهذه الصادرات قبل الأزمة. ومع تعطل التدفقات، لم تقع الكلفة على الخصوم وحدهم، بل امتدت إلى الاقتصاد الإيراني وإلى أهم شريك تجاري له. وهكذا تحولت ورقة الضغط إلى معادلة ضرر متبادل.
وتبرز الصين هنا بوصفها العقدة الأكثر تعقيداً. فهي من أكثر الدول اعتماداً على استمرار تدفق الطاقة عبر الخليج، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في أن تتحول حماية هذا التدفق إلى مبرر لترسيخ وجود عسكري أميركي دائم في المنطقة. وقد أكدت بكين أهمية بقاء مضيق هرمز مفتوحاً للملاحة الطبيعية باعتباره مصلحة مشتركة لدول المنطقة والمجتمع الدولي. وبين هذين الاعتبارين، تجد الصين نفسها أمام معادلة دقيقة: الدفاع عن حرية تدفق الطاقة، من دون التسليم بالضرورة للنموذج الأمني الذي تقوده واشنطن.
وفي المقابل، فإن محاولة فرض واقع جديد في هرمز دفعت المجتمع الدولي إلى تعزيز حماية الملاحة والبحث عن ترتيبات تقلل احتمال تكرار تعطيلها مستقبلاً. وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية: فالورقة التي استُخدمت لزيادة النفوذ الإيراني قد تصبح سبباً في تسريع بناء آليات تحد من فاعليتها مستقبلاً.
كما أن الرهان على أن يؤدي تعطيل الإمدادات إلى فرض ضغوط اقتصادية ساحقة على العالم لم يتحقق بالصورة المتوقعة. فبحسب تقديرات بنك «جيه بي مورغان»، امتص التراجع في الواردات الصينية نحو 74% من إجمالي الانخفاض العالمي في واردات النفط، وهي حصة غير متناسبة ساهمت، إلى جانب المخزونات والطاقة الإنتاجية المتاحة ومرونة الطلب، في الحد من صدمة الأسعار. والمفارقة أن أكبر مشترٍ للنفط الإيراني كان، بصورة غير مباشرة، أحد العوامل التي حدّت من فاعلية سلاح هرمز الاقتصادي.
الدرس الاستراتيجي هنا يتجاوز إيران والمضيق معاً. فالحروب لا تغيّر موازين القوى فقط، بل تختبر أيضاً قدرة الدول على تحويل القوة العسكرية المؤقتة إلى واقع سياسي دائم. وما يجري في هرمز هو اختبار لهذا الحد الفاصل: بين حق الدولة في حماية أمنها، ومحاولة استخدام القوة لفرض سلطة منفردة على ممر يخدم العالم بأسره.
لذلك، ربما لن يكون السؤال الذي سيبقى بعد انتهاء هذه الأزمة: من سيطر على مضيق هرمز؟ بل: هل نجح العالم في منع واقع فرضته الحرب من أن يتحول إلى سابقة تعيد تعريف حدود السيادة على الممرات البحرية الدولية؟
*لواء ركن طيار متقاعد