إذا كانت باريس أول عاصمة أوروبية زارها الرئيس السوري أحمد الشرع، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو أول رئيس أوروبي يزور سوريا بين 6 و7 يوليو الحالي. وقد شكّلت هذه الزيارة نقطةً مهمةً لبداية انطلاق العلاقات بين البلدين، من مرحلة الدعم السياسي إلى مرحلة «الشراكة الاقتصادية»، وذلك عبر منتدى اقتصادي فرنسي سوري حضره مسؤولون وحشدٌ كبيرٌ من رجال الأعمال، وجرى خلاله التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في قطاعات النقل والطاقة والبنية التحتية اللوجستية، مع تأكيد دعم فرنسا لإعادة إعمار سوريا، وتشجيع الشركات الفرنسية على دخول السوق السورية. ورغم ذلك، يبقى التقدم مرهوناً بالاستقرار الأمني والإصلاحات السياسية.
واللافت في هذا السياق أن الرئيس الفرنسي شدد على دعم وحدة سوريا والانتقال السياسي الشامل، وربط توسيع التعاون بالإصلاحات، وحماية حقوق جميع مكونات المجتمع السوري، خصوصاً أن باريس لا تنظر إلى سوريا كسوق لإعادة الإعمار فقط، بل كدولة ذات موقع جغرافي، يربط الخليج وتركيا والعراق والأردن والبحر المتوسط، بما يمنح الشركات الفرنسيةَ فرصةً للمشاركة في مشاريع النقل والطاقة والتجارة الإقليمية. كما ترى فرنسا أن العودة الاقتصادية إلى سوريا تمنحها نفوذاً سياسياً في شرق المتوسط، في مواجهة دول منافسة أخرى مثل روسيا والصين وتركيا.
وتركّز الشركاتُ الفرنسيةُ على القطاعات الأكثر جذباً للاستثمارات، وأهمها: النفط والغاز والكهرباء والطاقات المتجددة والموانئ والنقل البحري والمطارات والشحن الجوي والسكك الحديدية، بالإضافة إلى إعادة بناء المدن والمجمعات السكنية، وشبكات المياه والصرف الصحي، وكذلك الاتصالات والتحوّل الرقمي، علاوة على القطاع الصحي والتعليم والتدريب المهني.. تمهيداً للحصول على حصة وافرة من «كعكة الاستثمار» السورية.
ورغم الزخم السياسي، فمن غير المتوقع أن تضخ فرنسا استثماراتٍ ضخمةً خلال العام الحالي، بل ستبدأ بمشروعات محدودة، ومتوسطة الحجم، لأن المستثمرين الفرنسيين، يراقبون باهتمام كبير استقرار الوضع الأمني، وتطور النظام المصرفي، والضمانات القانونية لحماية الاستثمار، واستمرار تخفيف العقوبات الغربية. وهذا مع الأخذ بالاعتبار عنصر المنافسة الدولية، لا سيما من الشركات التركية في مجالات البناء والإسكان، وكذلك الشركات الصينية في البنية التحتية والطاقة، والشركات الخليجية في قطاعات العقارات والطاقة والمصارف، والشركات الروسية التي لا تزال تحتفظ بمشاريع في الطاقة والموانئ، إضافةً إلى الشركات الأميركية في حال اتسع مسار تخفيف العقوبات.
ومع ذلك فإن حجم الاستثمارات الفرنسية، سيظل مرتبطاً بعدة عوامل، أبرزها استمرار تحسُّن الوضع الأمني، وتوافر بيئة قانونية جاذبة للمستثمرين، واستمرار الانفتاح الدولي على سوريا، إذ إن التفجيرات التي وقعت بالتزامن مع زيارة ماكرون، أظهرت ضرورة التصدي للمخاطر الأمنية رغم التقدم السياسي الحاصل.
وعلى تلك الخلفية، شملت المحادثاتُ الفرنسيةُ السوريةُ، في دمشق، تعزيزَ التعاون الأمني والسياسي، واتخاذَ خطوات لبناء «الثقة»، مع الإشارة إلى أن فرنسا بادرت بخطوة رمزية، بإعادة 24 قطعة أثرية سورية كانت محفوظة في فرنسا منذ سنوات، وهي خطوة تعكس استئناف التعاون الثقافي بين البلدين.
وهكذا فإن الدعم السياسي الفرنسي لسوريا يَظهر اليوم في بعده الاقتصادي بصورة أكثر وضوحاً، ويستكمل ما جرى توقيعه عقد المجموعة الفرنسية «سي جي إم سي إم آي»، وهو من أوائل العقود الاستراتيجية لاستثمار مجموعة السفن والخدمات اللوجستية، لتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية، ومدته 30 عاماً.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية