بعد مرور عقد كامل على قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو الخروج المعروف باسم «بريكست»، يُطالب الشبابُ البريطاني بالتقارب مجدداً، ويُريدون في المقام الأول السماحَ لهم بالعيش والعمل في أوروبا، تماماً كما كان يُسمح لآبائهم.ويرى الكثير من الشباب البريطانيين أن العمل لفترة خارج بلادهم، وبصفة خاصة في أوروبا، سيُعمق خبراتهم المهنية، إلا أن الخبر السيئ لأبناء هذا الجيل هو أن العودة إلى الاتحاد الأوروبي ما زالت بعيدة المنال، رغم خيبة أمل الرأي العام من مغادرة بريطانيا الاتحادَ الأوروبي.
أما الخبر الجيد، فهو أن المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بدآ في إصلاح علاقتهما المتصدعة، وإن كان ذلك ببطء وحذر. فقد انضمت بريطانيا بالفعل إلى برنامج «هورايزن أوروبا» للبحث العلمي، وكذلك إلى برنامج «إيراسموس بلاس» لتبادل الطلاب، الذي يفيد عشرات الآلاف من الأشخاص سنوياً. كما يعمل مسؤولون من الجانبين على تعزيز التكامل في مجموعة من القضايا، تشمل التجارة والطاقة والأمن، وحرية التنقل.
وكانت عملية «بريكست» مريرة، واستغرقت أكثر من ثلاث سنوات عصيبة. لذا، من المفاجئ معرفة أن بريطانيا والاتحاد الأوروبي يتحدثان عن إعادة بناء العلاقات. وفي الوقت الراهن، يبدو الأمر وكأنه مجرد بداية. إذ سيواجه رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بورنهام، تحديات هائلة، وسيسعى إلى وضع خطة دبلوماسية خاصة به. فرغم أنه معروف بتأييده لأوروبا، فإن أمامه مهمة صعبة.
ومع ذلك، يدرك بورنهام أن البلاد التي سيقودها تميل مجدداً نحو أوروبا. ويُقدر أن الاقتصاد البريطاني المتعثر، والذي يبلغ حجمه 4 تريليونات دولار، قد انخفض بنحو 250 مليار دولار نتيجة لبريكست.
كما شهدت القاعدة الانتخابية في المملكة المتحدة تغيراً ملحوظاً خلال العقد الماضي، حيث انضم إليها ملايين الناخبين الشباب الجدد، الذين يميلون عموماً إلى تأييد أوروبا. يقول مارك ليونارد، مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن الغالبية العظمى من البريطانيين يرغبون الآن في توثيق العلاقات البريطانية الأوروبية، لا سيما منذ تولي ترامب منصبه، مضيفاً أن استطلاعات الرأي تُظهر أن أغلبيةً كبيرةً تُفضل التوجهَ نحو أوروبا، وليس أميركا.
ويتمنى العديدُ من الشباب البريطاني لو أتيحت لهم فرصٌ أكثر على الجانب الآخر من القناة الإنجليزية، حتى يمكنهم السفر إلى أوروبا من دون تأشيرات أو تصاريح عمل، ويرون في ذلك ميزةً فريدةً لم يعودوا يملكونها، حيث يستغرق الحصولُ على تأشيرة في الوقت الحالي عدةَ أشهر، كما تُكلف الكثيرَ من المال.
ويبدو أن اتفاقيةً جديدةً مطروحةً لمنح آلاف تأشيرات العمل ستحظى بشعبية واسعة لدى جيل الألفية في بريطانيا، الذين انشق الكثير منهم عن حزب العمال بزعامة بورنهام وانضموا إلى حزب الخضر خلال السنوات الأخيرة.
لكن قمة «إعادة ضبط العلاقات» المخصّصة لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقيات جديدة مع الاتحاد الأوروبي، تأجلت مرتين، آخرهما لإتاحة الفرصة لبورنهام لترسيخ أقدامه في منصبه. إلا أن الكثيرين يأملون بعقدها الخريف المقبل، مع أن ذلك ليس مرجحاً، جزئياً بسبب أن التعاملات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي معقدة.
ويُتيح الاندماج في برامج الاتحاد الأوروبي مكاسبَ اقتصادية مغرية، لا سيما للاقتصاد البريطاني الضعيف الذي لم يعُد قادراً على تقديم الدعم الحكومي السخي الذي اعتاد عليه البريطانيون. لكنه ينطوي أيضاً على تنازلات تتعلق بتقاسم السيادة، وفتح الحدود البريطانية أمام الهجرة، والموافقة على المعايير والقواعد واللوائح الأوروبية.
وحتى الآن، انتهجت حكومة حزب العمال نهجاً متأنياً. ومع وجود العديد من القضايا الداخلية التي تستدعي الاهتمام، فقد لا تحظى العلاقات الأوروبية بالأولوية الكافية لرئيس الوزراء الجديد.
وتشير يانيكا واخوفياك، الباحثة بمركز «المملكة المتحدة في أوروبا متغيرة»، إلى أن تصريح برنهام برغبته في عودة بلاده للاتحاد الأوروبي خلال حياته يعتبر تصريحاً غامضاً إلى حد بعيد. وتتوقع الباحثة استمراراً للنهج التدريجي المتأني خلال السنوات الثلاث المقبلة.
ومع ذلك، وبحلول عام 2029، وهو العام المرجح للانتخابات العامة المقبلة، يواجه حزب العمال خطرَ التخلف عن ركب الناخبين البريطانيين، الذين يريد عددٌ متزايدٌ منهم الاستفادةَ من المزايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعضوية الاتحاد الأوروبي.
وأصبحت بريطانيا أقل ارتباطاً بأوروبا في عدة نواحٍ منذ بريكست، فقد استُبدل المهاجرون من دول الاتحاد بعمال من دول أخرى. كما تراجعت شعبية اللغات الأوروبية في المدارس. ويرى البعض أن أوروبا لم تعد حاضرةً في حياة البريطانيين كما كانت من قبل، وأن آفاقهم باتت أضيق من ذي قبل.
*صحفي بريطاني بارز
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»