يقودنا قادة العالم نحو حقبة غامضة من الحروب الجديدة، وبسرعة فائقة. فمنذ فجر عصر الطائرات النفاثة، استغل الجيش الأميركي عزلة المناطق الرملية لاختبار طائرات تجريبية سرية ودفعها إلى أقصى حدودها الديناميكية الهوائية والتكنولوجية. واليوم، يُحسّن آلات قادرة على خوض معارك جويّة بأقل تدخل بشري، حيث لا يتحكم طيار في تحليق الطائرات المسيرة «الدرون»، ولا حتى يتم التحكم فيها عن بُعد عن طريق البشر، بل برمجيات مُدمجة فيها بالكامل. وهو ما يعتبر تقدماً تاريخياً في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة يهدف إلى دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات القتالية اليومية.
تتسم صراعات اليوم بشكل متزايد بالأسلحة غير المأهولة، التي تُلحق الدمار في ساحات القتال، ولكن في كل هذه الصراعات تقريباً، يوجد مُشغل بشري يُوجه كل روبوت نحو هدفه.
ويستطيع نوعا الطائرات المسيّرة من الجيل التالي -اللذان يتم اختبارهما فوق جنوب كاليفورنيا، لصالح القوات الجوية الأميركية- الطيران بشكل مستقل تماماً. وتتخذ تلك الطائرات المسيرة مئات القرارات في أجزاء من الثانية للمناورة والمراوغة ومهاجمة أهداف العدو، استناداً إلى ساعات لا تُحصى من بيانات الطيران ومعالجة البيانات الحاسوبية. ويقتصر التدخل البشري على برمجة مهمة الطائرة المسيرة، وبدء تشغيلها وإيقافها، وتحديد ما إذا كان ينبغي إطلاق سلاح أم لا.
وقد صرح وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في يناير الماضي بأنه يعتزم جعل الجيش «قوة قتالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي في جميع المجالات». وطلبت وزارته مبلغ 54.6 مليار دولار في ميزانية العام المقبل لمجموعة الحرب الذاتية الدفاعية، التي أُنشئت مؤخراً لتنسيق جميع برامج الأسلحة ذاتية التشغيل في القوات الأميركية.
وفي جميع أنحاء العالم، ولا سيما في الصين وروسيا، يتصاعد سباق تسلح لإنتاج آلات حرب ذاتية التشغيل تعمل بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. وقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عام 2017 بأن من يتقدم في مجال الذكاء الاصطناعي «سيصبح حاكم العالم». وضخ الرئيس الصيني شي جين بينغ مليارات الدولارات في تطوير الذكاء الاصطناعي للجيش الصيني. وقد وردت تقارير عن استخدام نماذج أولية لأسلحة صغيرة بدائية تعمل بالذكاء الاصطناعي. وفي غضون سنوات قليلة، قد نشهد أسراباً من الروبوتات ذاتية التوجيه، ليس في السماء فحسب، بل أيضاً في البحر وعلى الأرض.
غير أن المجتمع الدولي فشل في وضع حدود لاستخدام تلك التكنولوجيا، فقد أمضت الأمم المتحدة عقداً في مناقشة كيفية تقييد الأسلحة ذاتية التشغيل واستباق تهديد عالمي قبل وقوعه. لكن لم يتم طرح أي قواعد إلزامية.
وبعد هجمات 11 سبتمبر، منح الكونجرس الرئيس صلاحيات واسعة لشن عمليات عسكرية، واعتمد الرؤساء المتعاقبون على الطائرات المسيرة الموجهة عن بُعد في الحرب على الإرهاب. وانتقدت جماعات حقوق الإنسان استخدامها لأنها خفضت عتبة اللجوء إلى الحرب، لكنها أصبحت مقبولة سياسياً رغم سقوط آلاف المدنيين في دول عدة.
ويهدف برنامج الطائرات القتالية التعاونية التابع للقوات الجوية، وهو برنامج الطائرات المسيرة بالذكاء الاصطناعي، إلى تشغيل أكثر من 150 طائرة تعمل كـ«جناح آلي» إلى جانب الطائرات المقاتلة المأهولة بحلول نهاية هذا العقد، بهدف تمكين الطائرات من خوض معارك جوية ضد طائرات أخرى. لكن مهندسي البرمجيات يعملون على تطوير أنواع أخرى من المهام مثل تنفيذ قصف على أهداف أرضية، أو القيام بطلعات استطلاع، أو شن حرب إلكترونية لتعطيل الدفاعات الجوية للعدو، أو حتى العمل كطُعم لاستدراج نيران العدو بعيداً عن الطائرات التي يقودها طيارون.
مليار دولار تريد القوات الجوية الأميركية تخصيصها لبرنامج الطائرات القتالية التعاونية في السنة المقبلة، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بتكلفة الطائرات المقاتلة المتطورة. وتريد القوات الجوية دمج ما لا يقل عن 1000 طائرة مسيّرة ذاتية التشغيل في عملياتها، بتكلفة تقديرية تتراوح بين 25 و30 مليون دولار للطائرة الواحدة، على أن تُنتج الدفعة الأولى الصغيرة منها العام المقبل.
وقد أصبح الحظر الشامل للأسلحة ذاتية التشغيل غير واقعي، لكن يمكن وضع خطوط حمراء دولية، أبرزها منعها من اختيار البشر واستهدافهم بشكل مستقل، وضرورة وجود إنسان قادر على إيقاف أي عملية قاتلة، وحظر استخدامها في هجمات تهدد المدنيين أو البنية التحتية الحيوية.
وتتراجع إدارة ترامب عن بعض ضوابط السلامة التي وضعتها إدارة بايدن، بينما يسعى الكونجرس إلى تحويل سياسة وزارة الدفاع بشأن الإشراف البشري إلى قانون اتحادي، وضمان هذا الإشراف في أنظمة الأسلحة التقليدية والنووية. ويجب إقرار هذه القوانين وإبرام معاهدة دولية جديدة لتنظيم الأسلحة ذاتية التشغيل.ويجب الحذر من اقتراب اليوم الذي تستطيع فيه الأسلحة ذاتية التشغيل مهاجمة بعضها بعضاً مما قد يؤدي إلى تصعيد كارثي بسبب خطأ أو سوء فهم، في ظل إشراف بشري محدود. لقد بدأ عصر الذكاء الاصطناعي، وعلى البشر تحديد حدود استخدامه قبل أن تهيمن الآلات على ساحة المعركة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
صحفي متخصص في قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية والصراعات