تمتلك الولايات المتحدة الكثير مما يدعوها إلى الفخر في ظل الذكرى 250 لتأسيسها، لكن حالة متنزهاتها الوطنية ليست على ما يرام، إذ يواجه نظام المتنزهات الأميركية تراكماً في أعمال الصيانة المؤجلة بقيمة 24 مليار دولار، يشمل طرقاً متداعية، وأنظمة مياه متهالكة، ومسارات غير منتظمة، ومرافق للزوار متدهورة.
ويزيد هذا المبلغ على سبعة أمثال الميزانية السنوية لخدمة المتنزهات الوطنية. ويرغب الكونغرس في المساعدة، حيث قدمت لجان في مجلسي النواب والشيوخ، الشهر الماضي، مشاريع قوانين مشتركة بين الحزبين لتخصيص نحو 1.3 مليار دولار سنوياً لصيانة المتنزهات على مدى السنوات الخمس المقبلة.
ويُعد سداد المتأخرات أمراً بالغ الأهمية، لكن على الكونغرس أن يفعل أكثر من مجرد إصلاحات مُتأخرة، بل عليه معالجة جذور المشكلة، متمثلةً في نقص التمويل اللازم لأعمال الصيانة الدورية التي تمنع تدهور المتنزهات في المقام الأول. وفي عام 2020، خصص قانون «الأماكن المفتوحة الأميركية الكبرى» لخدمة المتنزهات مبلغاً مماثلًا تقريباً لما تنص عليه مشروعات القوانين الحالية، أي نحو 6.5 مليار دولار إجمالاً على مدى خمس سنوات، لتمويل أعمال صيانة مؤجلة قُدرت آنذاك بنحو 15 مليار دولار. لكن القانون لم يحل المشكلة، فقد ارتفع تراكم أعمال الصيانة بعدها بمقدار 9 مليارات دولار، يعود جزء منها إلى أخطاء محاسبية، إذ عثرت خدمة المتنزهات على أعمال تجاهلتها سابقاً، ورفعت تقديرات تكلفة إصلاحات أخرى.
لكن الزيادة تعكس كذلك حافزاً عكسياً أوجده الكونغرس، وهو أن منح المتنزهات التمويلَ الخاص بعد أن تتدهور حالتها فقط، مما يكافئ إهمالَ أعمال الصيانة والتشغيل اليومية. وبصفتي حارساً سابقاً للمناطق النائية في هيئة المتنزهات الوطنية، أدليتُ بشهادتي أمام الكونغرس، منذ 10 سنوات، وخلاصتها أن الحكومة الفيدرالية أخطأت في ترتيب الأولويات، حيث وفرت تمويلاً سخياً للاستحواذ على أراض فيدرالية جديدة، بينما تجاهلت رعاية الأراضي التي تملكها بالفعل. ولا يزال هذا يحدث حتى اليوم، فقد نص قانون «الأماكن المفتوحة الأميركية الكبرى» على تمويل مؤقت لصيانة الحدائق، يُتاح فقط بعد تدهور حالة الأصول.
لكن التشريع نفسه ضمن 900 مليون دولار سنوياً، بشكل دائم، لصندوق الحفاظ على الأراضي والمياه، وهو الصندوق الفيدرالي الرئيس لشراء الأراضي الجديدة، بعد أن خصص الكونغرس سابقاً لهذا الصندوق أقل من 400 مليون دولار سنوياً في المتوسط. أما الآن، فتُحول الأموال إلى الصندوق تلقائياً كل عام. وقد أنشأ الكونغرس صندوقاً دائماً لشراء الأراضي هو الأكبر على الإطلاق، بينما لا يقدم سوى تمويل مؤقت للصيانة المؤجلة. ولا يعالج أيٌّ من الصندوقين أعمال الصيانة الدورية البسيطة لمنع تسرب سقف أو انفجار أنبوب مياه. وعندما تُهمل هذه الأعمال عاماً بعد آخر، تتحول الإصلاحات الصغيرة إلى إصلاحات كبرى، وقد ترتفع تكلفة عمل كان يمكن إنجازه ببضعة آلاف من الدولارات إلى عدة ملايين.
وتنجم عواقب كارثية عن تراكم أعمال الإصلاح البالغ 24 مليار دولار. ولن يحل صندوقٌ مؤقتٌ آخرَ المشكلةَ الأساسيةَ. لذا فعلى الكونغرس إلغاء صناديق شراء الأراضي أو إصلاحها، واستخدام تلك الأموال سنوياً لصيانة الأراضي العامة التي تملكها أميركا بالفعل. وبدون ذلك، سيستمر تدهور المتنزهات، وسيضطر الكونغرس لإنقاذها. وتحتاج المتنزهات إلى تمويل أكثر استدامةً، والمصدر الأوضح لهذا التمويل هو الزوار أنفسهم، إذ تسجل خدمة المتنزهات الوطنية أكثر من 300 مليون زيارة إلى هذه المتنزهات سنوياً، ومع ذلك فإن رسوم دخولها زهيدة للغاية. ففي أكثر المتنزهات ازدحاماً، تبلغ تكلفة تذكرة الدخول الصالحة لأسبوع 35 دولاراً للمركبة، أي أقل من 10 دولارات للفرد لعائلة من أربعة أشخاص.
ويدعم الأميركيون المتنزهات الوطنية بالفعل عبر ضرائبهم، لكن فرض رسوم إضافية على الزوار يعتبر وسيلة منطقية لتحميل مستخدمي المتنزهات المزيد من تكلفة صيانتها. وقد وجدت دراسة حديثة أن رفع رسوم دخول متنزه «يلوستون» بمقدار 5 دولارات فقط للفرد قد يدر أكثر من 19 مليون دولار سنوياً، وهو مبلغ يكفي لإصلاح جسور المتنزه المتقادمة.
كما أن فرض رسم إضافي قدره 100 دولار على الزوار الدوليين، وهو ما طبقته إدارة ترامب العام الحالي في أكثر المتنزهات شعبية، سيغطي كاملَ فاتورة الصيانة الدورية السنوية لمتنزه يلوستون، البالغة 43 مليون دولار. ويحق للكونغرس أن يسعى لإصلاح المتنزهات الوطنية الأميركية، وهذا يعني صيانتها قبل تدهورها، لا بعد انهيارها.
*زميل أول في معهد مانهاتن، وباحث في قضايا الاقتصاد التطبيقي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينتديكيشن»