لا يمكن لسياسة الهجرة أن تعتمد على القوة وحدها. وبرزت تلك الحقيقة خلال عملي مع الرئيس السابق جورج دبليو بوش في تسعينيات القرن الماضي، عندما كان حاكماً لولاية تكساس وكنت وزير خارجيته، وكُلفت بالتنسيق معه بشأن قضايا الحدود مع المكسيك. فقد أدركت حقيقة الانقسام الجنوبي، وهي منطقة تتشابك فيها الروابط الاقتصادية والإنسانية، إلى جانب أهمية الأمن.
وفي الوقت نفسه، تُقاس سيادة القانون بكيفية تطبيق الحكومة له. ففرض القانون بلا انضباط قد يحوله إلى أداة ترهيب. وعندما تعتمد حماية البلاد على مواجهات روتينية ينفذها عملاء ملثمون في مركبات غير مميزة دون كاميرات مثبتة على أجسادهم، فهذا مؤشر على خلل تكتيكي وأخلاقي.
وتؤكد المواجهات المميتة الأخيرة التي تورط فيها موظفو الهجرة بولايتي تكساس وماين أن الوضع أصبح مقلقاً. فالحكومة مطالبة بتحمل مسؤولية أفعالها، والضباط بحاجة إلى قواعد واضحة، بينما يستحق الجمهور معايير تليق بدولة دستورية. لكن رفض الكونجرس إقرار إصلاح شامل للهجرة أدى إلى نظام لا يحقق الأمن ولا يراعي الإنسانية.
وتحتاج الولايات المتحدة إلى حدود آمنة، ومعرفة من يدخل البلاد ومنع من يشكلون خطراً، إلى جانب نظام فعّال لتتبع التأشيرات ورصد من يتجاوزون مدة إقامتهم القانونية.
لكن الأهم من ذلك أن سيادة القانون تُقاس، جزئياً، بكيفية تطبيق الحكومة له. ففرض القانون من دون انضباط يمكن أن يحول القانون إلى أداة لبث الخوف. وعندما يتطلب الحفاظ على أمن الوطن، ظاهرياً، مواجهات روتينية ينفذها عملاء ملثمون في مركبات غير مميزة، من دون كاميرات مثبتة على أجسادهم، فهذا يعني أن هناك خللاً ما، تكتيكياً وأخلاقياً.
لكننا نحتاج أيضاً إلى تدفق مستمر للهجرة القانونية. فالمزارع والمطاعم والفنادق ومواقع البناء ومؤسسات الرعاية تعتمد على العمالة الأجنبية الموثوقة.
لكننا لا نحتاج إلى أساليب خطيرة في إنفاذ قوانين الهجرة. ورغم أن الرئيس دونالد ترامب يوافق من حيث المبدأ، لكنه أخطأ في التطبيق عندما تراجع عن قرار وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين تعليق استخدام عمليات إيقاف المركبات من قبل مسؤولي الهجرة الفيدراليين.
ولا تعتبر تلك التوقيفات وسيلة ذكية أو مناسبة لإنفاذ القانون بشكل روتيني. فعندما تلاحق مركبة غير مميزة شخصاً، ثم يواجهه رجال مسلحون وملثمون دون هوية حكومية واضحة، فمن الطبيعي أن يشعر بالخوف، وقد يؤدي سوء الفهم إلى مواجهة مأساوية.
وبصفتي أميركياً من أصول لاتينية، أدرك أن أي شخص قد يُشتبه به بالخطأ. لذلك، يجب أن يُلزم الكونجرس إدارة الهجرة والجمارك بتعليق توقيف السيارات والاعتقالات الروتينية التي ينفذها عملاء ملثمون في مركبات غير مميزة، مع السماح بهذا الإجراء فقط إذا استوفى معايير صارمة وموثقة تتعلق بالسلامة أو الضرورة التكتيكية.
وينبغي إلزام الكوادر المعنية بتنفيذ قوانين الهجرة باستخدام الكاميرات المثبتة على الجسم في عمليات إنفاذ القانون التي تُجرى أمام الجمهور، مع استثناءات محدودة، كالمهام السرية أو المقابلات الحساسة، وكذلك الاستعانة بموظفين مستقلين وذوي خبرة في مجال إنفاذ القانون لمراجعة معايير التدريب والبروتوكولات الجديدة. كما يجب ضمان أن يؤدي كل حادث مميت إلى محاسبة عامة فورية، بما يتوافق مع متطلبات التحقيق المشروعة. كذلك من حق الجمهور معرفة سبب مقتل أي شخص أو تعرضه لإصابة خطيرة في الشوارع على أيدي الحكومة.
إن إلزام عناصر تنفيذ قوانين الهجرة بتحديد الهوية، وتثبيت كاميرات الجسم، وبقواعد واضحة لا يمكن اعتباره عوائق بيروقراطية، بل ضمانات تحمي الجمهور وتضمن شرعية إنفاذ القانون. فالمساءلة تعزز السلطة. كما أن سن مثل هذه الأحكام يؤكد قدرة الأميركيين على دعم قوانين الهجرة والإصرار على تطبيقها بما يتوافق مع السلامة العامة والمنطق السليم.
ولا يتعين على الولايات المتحدة الاختيار بين أمن الحدود والكرامة الإنسانية، إذ يمكنها تطبيق قوانين الهجرة وإصلاحها في الوقت نفسه. وكما قال ترامب سابقاً بشأن خططه لأكبر عملية ترحيل في تاريخ البلاد: «علينا أن نتحلى بالإنسانية أيضاً».فالسياسة الأمنية تحتاج إلى الرحمة، والدولة الجادة بشأن أمنها يجب أن تلتزم أيضاً بحدود سلطتها، لأن فرض القانون من خلال الخوف يضر بالأشخاص الذين يفترض أن تحميهم الحكومة.
*المدعي العام الأميركي بين عامي 2005 و2007، وكان مستشاراً للرئيس جورج دبليو بوش في البيت الأبيض. كما شغل منصب عميد وأستاذ القانون في كلية الحقوق بجامعة بلمونت في ناشفيل بولاية تينيسي حتى مايو 2026.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»