مع تصاعد حدة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وانهيار الهدنة بينهما، تُوجه إيران أغلب نيرانها ليس نحو إسرائيل، حليفة واشنطن في الحرب، بل نحو الأردن، أحد أكثر شركاء الولايات المتحدة من الدول العربية موثوقية.
وشنّت القوات الإيرانية، الثلاثاء الماضي، غارات على ما تقول إنه «مواقع عسكرية أميركية في الأردن»، وذلك لليوم الرابع على التوالي. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أسفرت صواريخ إيرانية عن مقتل جنديين أميركيين، كما استهدفت المسيّراتُ الإيرانية مواقعَ ومنشآت مدنية أردنية مثل ميناء العقبة (الميناء الوحيد في الأردن)، وكذلك مطار العقبة الدولي.
ويشكل الدعم العسكري والاقتصادي الأميركي أهمية خاصة بالنسبة للأردن، والذي هو أحد أكثر حلفاء واشنطن موثوقية، وإن قلل الخطابُ الرسمي الأردني أحياناً من شأن التعاون مع أميركا، كما أكد أنه ليس طرفاً في الحرب الحالية.
ومنذ بدء انهيار وقف إطلاق النار وتبادل الهجمات، عقب استهداف إيران حركةَ الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، تجنبت إيرانُ توجيه أي ضربة إلى إسرائيل، التي انضمت إلى الحرب الأميركية عليها، لكنها في المقابل عادت لاستهداف بعض الدول العربية بما فيها الأردن.
وبطبيعة الحال فإن الصواريخ الإيرانية أحياناً ما تؤدي إلى الإضرار باقتصادات هذه الدول، ومن ثم بالأوضاع الاجتماعية فيها أيضاً.
وقد ارتفعت المساعدات الأميركية السنوية لصالح الأردن من 450 مليون دولار في عام 2003 إلى مستوى قياسي بلغ ملياري دولار في عام 2026. ورغم قيام تعاون عسكري وأمني بين الأردن والولايات المتحدة، فإنه لا توجد قواعد عسكرية أميركية في الأردن، وذلك وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز» التي تطرقت مؤخراً إلى ملف تنقلات العسكريين الأميركيين في منطقة الشرق الأوسط. ويقول المحلل السياسي الأردني نبيل غيشان إن الأردن لا يحمي إسرائيل ولا يهاجم إيران، وليس من مصلحته دخول حرب لا يريدها أصلاً.
ويقول مسؤولون أردنيون إن دخول صواريخ ومسيرات إلى مجالهم الجوي، سواء أكانت إيرانية أم غيرها، يُعد انتهاكاً للسيادة الأردنية.
وقد لعب الأردن على الدوام دوراً نشطاً في ملفات المنطقة وفي جهود إنهاء أزماتها، وظلت علاقاتُ تعاونه مع الولايات المتحدة علاقات قوية، وهي العلاقات التي توجتها اتفاقيةُ التعاون الدفاعي الأميركية الأردنية لعام 2021. كما اضطلع الأردن بدور هام في عمليات مكافحة الإرهاب، وشكل مركزاً لوجستياً بالغ الأهمية لهذه العمليات في المنطقة.
وفي الفترة بين عامي 2014 و2020، مثّلت القواعد الجوية الأردنية مقراً ومنصة انطلاق للتحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» في العراق وسوريا.
ورغم أن الأردن كان مستهدفاً على الدوام من قبل الجماعات الإرهابية، فإن استهدافه الآن من قبل إيران أيضاً يمثل محاولةً لدفعه نحو قلب الصراع الأميركي الإيراني. وكما يؤكد محللون فإن الأردنيين لا يؤيدون إيران مطلقاً، بل يعتبر كثير منهم أن طهران تمثل تهديداً مباشراً لأمنهم الوطني. لا يريد الأردن الانخراطَ في حرب لم يتهيأ لخوضها بشكل كامل، بل إن التصريحات الدبلوماسية الأردنية تميل إلى التقليل من التداعيات الناتجة عن هذه الحرب وإلى تقديم الحياة اليومية باعتبارها اعتيادية. وموقف الأردن من هذه الزاوية مختلف عن موقف الجانب الأميركي.ويشير محللون إلى أن هذا النهج المتمسك بالرهان على الخيار الدبلوماسي يختلف عن النهج الذي تبناه الأردن إبان الحرب العالمية ضد تنظيم «داعش» في العراق وسوريا التي شهدها العقد الماضي. ويحذر محللون من أن هذا النهج الذي يميل إلى التمسك بالحلول الدبلوماسية حيال إيران، قد تستغله هذه الأخيرة لتمرير دعاية تهدف من ورائها إلى التأثير على قطاعات من الأردنيين.
وأمام الاستهدافات الإيرانية المتكررة للأردن، بدلاً من إسرائيل، يبقى السؤال الرئيسي مطروحاً: ما الذي تريده إيران من وراء هذه الاستهدافات المتكررة بحق الأردن؟
*صحفي ومحلل سياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»