تبنّى المجتمع الدولي، قبل أكثر من عِقد، أجندةَ التنمية المستدامة 2030 بوصفها المشروع العالمي الأكثر طموحاً في التاريخ الحديث. لم تكن الخطة مجرد قائمة تضم سبعة عشر هدفاً، بل كانت تعبيراً عن قناعة دولية بأن الأمن والازدهار والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة لم تَعُد قضايا منفصلة، وإنما منظومة واحدة لا يمكن أن ينجح أحد عناصرها في غياب الآخر. وجاءت هذه الرؤية بعد انتهاء تجربة الأهداف الإنمائية للألفية 2000-2015، التي ركّزت بصورة رئيسية على تحديات الدول النامية، لتنتقل الأمم المتحدة إلى مرحلة أكثر شمولاً، تجعل التنمية مسؤولية مشتركة لجميع الدول، بصرف النظر عن مستوياتها الاقتصادية.
إلا أن تقرير التنمية المستدامة لعام 2026 يفرض على العالم وقفةَ مراجعةٍ لا تحتمل المجاملةَ، مع بقاء أقل من أربع سنوات على انتهاء أجندة 2030، إذ يتوقع التقريرُ تحقيق 16% فقط من الأهداف بحلول الموعد النهائي. إنّ ما تكشفه الأرقام لا يعكس مجرد تباطؤ في التنفيذ، بل يكشف اتساع الفجوة بين الطموحات التي رُسمت عام 2015 والواقع الذي يعيشه العالم اليوم. وقد أدرك العالم نتائج الخطة قبل الموعد النهائي، بينما لا يزال معظم أهداف التنمية بعيداً عن المسار المفضي إلى تحقيقها، بل إن بعض المؤشرات عادت إلى مستويات أسوأ مما كانت عليه عند إطلاق الخطة. ولا يمكن تفسير هذا التراجع بعامل واحد، فالعالم خلال العقد الأخير لم يواجه أزمةً منفردة، وإنما سلسلة متشابكة من الصدمات: نزاعات مسلحة تتوسّع، وأزمات اقتصادية متلاحقة، وتغيُّر مناخي بات يهدد الأمن الغذائي والمائي، إلى جانب تراجع غير مسبوق في الثقة بالتعاون الدولي. وفي ظل هذه البيئة، أصبحت التنمية المستدامة أولى ضحايا الانقسام الدولي، رغم أنه كان يفترض أن تكون القاسم المشترك الذي يوحّد الجميع.
ومع ذلك، فإن القراءة المتأنية للتقرير تقود إلى نتيجة أكثر أهميةً من الأرقام نفسها. فالمشكلة لا تكمن في أهداف التنمية المستدامة، ولا في فلسفة أجندة 2030، وإنما في تفاوت الإرادة السياسية وكفاءة الإدارة العامة والقدرة على تحويل الالتزامات الدولية إلى سياسات وطنية قابلة للتنفيذ والقياس. فالدول التي تعاملت مع التنمية باعتبارها مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد حقّقت تقدماً واضحاً، بينما بقيت الدول التي اكتفت بالشعارات حبيسة الخطط الورقية.وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها إحدى أبرز التجارب التي تستحق الدراسة، لا لأنها حققت تقدماً في العديد من المؤشرات الدولية فحسب، بل لأنها نجحت في بناء نموذج تنموي يقوم على استباق المستقبل، وربط التنمية بالابتكار، والتحول الرقمي، وتنويع الاقتصاد، والاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز جودة الحياة، والانتقال نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة. والأهم من ذلك أن أهداف التنمية المستدامة لم تُعامل في الإمارات كالتزام خارجي، بل أصبحت جزءاً من عملية التخطيط الوطني وصناعة القرار. ولعل أبرز ما يميّز التجربة الإماراتية أنها تقدِّم دليلاً عملياً على أن التنمية ليست رهينة حجم الموارد الطبيعية، بل جودة المؤسّسات، ووضوح الرؤية، واستمرارية السياسات، لتؤكد أن الإرادة السياسية القادرة على استشراف المستقبل تستطيع تحويل التحديات إلى فرص، والأهداف الأممية إلى واقع ينعكس على حياة الإنسان.
ومع اقتراب عام 2030، لن يكون الحُكم على نجاح أجندة التنمية المستدامة مرهوناً بعدد الأهداف التي تحققت عالمياً، بل بقدرة الدول على إثبات أن التنمية ليست موسماً سياسياً ولا شعاراً إعلامياً، وإنما مشروع حضاري مستدام. فالتاريخ لا يتذكر الخطط التي كُتبت بعناية، بل يتذكر الدول التي امتلكت الشجاعة لتحويلها إلى واقع.
*كاتبة إماراتية