كلما شهدت المنطقة تصعيداً عسكرياً، عاد السؤال ذاته إلى الواجهة: هل يحتاج الخليج إلى «ناتو خليجي»؟ قد يبدو هذا السؤال منطقياً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة ينطلق من فرضية غير دقيقة، فالتحدي الذي تواجهه دول مجلس التعاون الخليجي لا يتمثل في غياب إطار دفاعي جماعي، وإنما في كيفية تفعيل المنظومة الدفاعية التي أنشأتها بالفعل خلال العقود الماضية، وتحويلها من إطار مؤسسي إلى قوة عملياتية قادرة على الردع والاستجابة الفورية. ولعل إحدى العقبات الحقيقية أمام تصور أي تحالف عسكري خليجي شبيه بحلف «الناتو» ليست غياب التهديد المشترك، بل غياب التوافق الكامل حول كيفية إدارته. وعلى الرغم من تقارب الرؤية الخليجية تجاه المخاطر، وخاصة التهديد الإيراني -وهو ما انعكس في مواقف المجلس الرسمية- فإن التباين لايزال قائماً في أدوات التعامل مع هذه التهديدات، فبينما ترى بعض دول مجلس التعاون الخليجي أن الردع الصلب هو الخيار الأنجع، تفضل دول أخرى من دول المجلس الحفاظ على قنوات الدبلوماسية والتهدئة.في حقيقة الأمر، ليست دول الخليج بحاجة إلى البدء من الصفر، فمن يراجع مسيرة العمل الدفاعي يدرك أن المجلس أنشأ بالفعل شيئاً مشابهاً لحلف «الناتو»، وإنْ لم يصل إلى درجة الحلف بتفاصيله كافة، إذ شكّلت اتفاقية الدفاع المشترك نقطة تَحوُّل نحو مفهوم الدفاع الجماعي، تلاها إقرار الاستراتيجية الدفاعية، وتطوير قوات «درع الجزيرة»، وإنشاء القيادة العسكرية الموحدة، بما يعكس انتقالاً تدريجياً نحو هيكل دفاعي ناضج. وامتد ذلك إلى إنشاء مركز العمليات البحري الموحَّد، وربط مراكز القوات الجوية، وتأسيس الأكاديمية الخليجية للدراسات الاستراتيجية. وهذه الإنجازات كلها تمثل اللبنات الأساسية لأي منظومة دفاع جماعي حديثة. غير أن امتلاك المؤسسات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على الردع، إذ يكمن الاختبار الحقيقي في مدى الجاهزية للعمل في بيئة عملياتية معقدة. وقد كشفت الأزمات المتلاحقة أن التهديدات لم تعد تمنح دول الخليج وقتاً للانتقال من التنسيق إلى التنفيذ، بل باتت تتطلب استجابة لحظية، وقيادة موحدة قادرة على اتخاذ القرار في الزمن الحقيقي. كما أن طبيعة التهديدات نفسها باتت هجينة ومتعددة الأبعاد، ما بين صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة، وهجمات سيبرانية، وحرب إلكترونية، واستهداف للبنية التحتية، وتوظيف للفاعلين من غير الدول، وهي بيئة أمنية جديدة لا يمكن التعامل معها بعقيدة عسكرية صُمِّمت لحروب القرن الماضي.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إنشاء نسخة خليجية من «الناتو»، وإنما بناء منظومة ردع تتلاءم مع البيئة الاستراتيجية للمنطقة. ويبدأ ذلك بتفعيل القيادة العسكرية الموحَّدة بصورة كاملة، وربط منظومات الرادارات والإنذار المبكر في شبكة واحدة، مع الاستثمار في القدرات السيبرانية والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية، بوصفها أدوات ردع أساسية في الحروب الحديثة. 
وفي المقابل، لابد أن ندرك أن تعزيز الردع لا يُعَدُّ بديلاً عن الدبلوماسية، فالحفاظ على قنوات الحوار لا يتعارض مع بناء قدرة ردع جماعية، بل يكملها، لأن الردع الفاعل يمنح الدبلوماسية وزناً أكبر، ويجعل التسويات السياسية أكثر واقعية. فلقد أثبتت التجارب أن استيراد نماذج أمنية جاهزة، من دون مراعاة الخصوصية الجيوسياسية، نادراً ما يحقق النتائج المرجوَّة. فالخليج يمتلك بيئة استراتيجية تختلف كلياً عن البيئة الأوروبية التي نشأ فيها حلف «الناتو»، كما أن طبيعة التهديدات وتوازنات القوى تفرض مقاربة خليجية خاصة تنطلق من واقع المنطقة لا من تجارب الآخرين. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يحتاج الخليج إلى «ناتو»؟ بل أصبح: كيف يُحوِّل ما يمتلكه بالفعل إلى منظومة ردع متكاملة؟
*باحثة- مركز تريندز للبحوث والاستشارات