تقوم العلوم الإنسانية في أساسياتها على دراسة الإنسان في مختلف أبعاده المعرفية والسلوكية والثقافية والاجتماعية، فهي علوم في أصلها تُقارب شخصية الإنسان، وتبحث في حاجاته ودوافعه وعلاقاته، كما تفسر الظواهر التي تصنع ثقافة الحضارات ولهذا جاءت موضوعاتها أكثر تعقيداً من الظواهر الطبيعية؛ لأن الإنسان يتغير بتغير الزمان والمكان والثقافة والتجربة.
بقيت العلوم الإنسانية في بداياتها ضمن الحقل الفلسفي، الأمر الذي منحها طابعاً ميتافيزقياً تجريدياً، بينما ظلت الفلسفة والتاريخ يشكلان المنطلق الأول لفهم التجربة الإنسانية. فالفلسفة طرحت الأسئلة الكبرى المتعلقة بالوجود والقيم والمعرفة، في حين حفظ التاريخ خبرة الأمم وربط الماضي بالحاضر. ومع التحولات العلمية الكبرى في القرن التاسع عشر الميلادي بدأت العلوم الإنسانية تتجه نحو بناء شخصيتها العلمية المستقلة، حيث حاولت هذه الدراسات التحرر من الصبغة الفلسفية التجريدية، متأثرة بالنجاحات التي حققتها الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا في تفسير الظواهر الطبيعية والإنسانية.
في هذا السياق، ظهرت محاولات أوجست كونت وجون ستيوارت ميل وإميل دوركايم لإخضاع الظواهر الإنسانية للمناهج العلمية القائمة على الملاحظة والقياس ومناهج الفيزياء، أملاً في منح العلوم الإنسانية المكانة العلمية نفسها التي وصلت إليها العلوم التجريبية. بينما رأى مفكرون آخرون، وفي مقدمتهم فيلهلم دلتاي وماكس فيبر، أن الإنسان يمتلك وعياً وإرادةً وقصداً ومعنى، الأمر الذي يجعل فهم أفعاله مختلفاً عن تفسير الظواهر الفيزيائية، فهناك فرق بين تفسير سقوط حجر، وفهم قرار إنسان أو معتقده أو منظومته القيمية.
وعلى هذا الأساس بدأ الجدل المنهجي الذي رافق نشأة العلوم الإنسانية الحديثة. فقد حاول بعض الباحثين تطبيق الحتمية الميكانيكية التي سادت في الفيزياء الكلاسيكية على السلوك الإنساني، كما أدى الانبهار بالنموذج التجريبي إلى ظهور نزعة أداتية جعلت بعض الدراسات الإنسانية تحاكي المنهج التجريبي الصارم، فنتج عن هذا التوجه إفراغ علوم الإنسان من مضامينها الروحية والأخلاقية وتقييد غاياتها.
تتمثل حلول أزمة المنهجية في العلوم الإنسانية كما يطرحها بعض الباحثين في الانتقال من محاكاة العلوم الطبيعية كالارتهان للملاحظة البحتة أو الحتمية الميكانيكية إلى تبني الجوهر المنطقي والمنهجي الذي يضمن لها طابعاً علمياً متماسكاً، إذ يبدأ الباحث بفرض علمي يبدعه العقل، ثم يستنبط منه نتائج جزئية تخضع للاختبار التجريبي، وهذا المنهج يحرر العلوم الإنسانية من أسر الاستقراء الذي كان يقصر مفهوم العلم على جميع الملاحظات، مما أدى إلى تعثرها في مرحلة الوصف، وعدم قدرتها على بلوغ التفسير، كما أسهمت فلسفة كارل بوبر في هذا التحول عندما قدم معيار قابلية التفنيد بوصفه أساساً للعلم يميز العلم الحقيقي، ويمنع تسرب الأيديولوجيا والمفاهيم الميتافيزيقية إلى صميم المعرفة، ويجعل الفروض أكثر دقة وتحديداً، وبذلك تصبح النظريات الإنسانية قوة استنباطية تتجاوز السرد الوصفي إلى الفهم والتفسير والتنبؤ، والانتقال من وهم الموضوعية المطلقة إلى الموضوعية المعاصرة التي تعترف بتفاعل الباحث مع موضوعه وفق مبدأ «اللاتعيين» وهذا التحول يسمح باستلهام القيم منطلقاً لصياغة الفروض.
ومع تطور البحث العلمي المعاصر تراجع الجدل بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية باتجاه تكامل معرفي شامل. فقد استعارت العلوم الإنسانية مناهج الإحصاء والتحليل الكمي والتجريبي من العلوم الطبيعية، بينما احتفظت بأدواتها الخاصة، مثل التحليل التاريخي، والمقابلات، والملاحظة بالمشاركة، والتأويل، ودراسة السياقات الثقافية. ومن ثم أصبحت المناهج المختلطة تجمع بين البيانات الكمية والكيفية، وبين التفسير العلمي والفهم الإنساني، الأمر الذي عزز قدرتها على معالجة الظواهر المعقدة.
ويشهد مستقبل العلوم الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي تحولاً عميقاً يعيد صياغة بنيتها المعرفية والمنهجية، ويعيد رسم موقع الإنسان داخلها. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً معرفياً يسهم في توليد الخطاب وتوجيه المناهج، حيث انتقلت الدراسات الإنسانية من المناهج الكيفية التقليدية، مثل القراءة الدقيقة والتأويلية، إلى مناهج كمية تعتمد القراءة البعيدة، القادرة على تحليل مجموعات نصية هائلة تتجاوز القدرة البشرية، مما أحدث تحولاً في آليات التأويل وإنتاج المعرفة.
من هذا المنطلق، يتغير دور الباحث في العلوم الإنسانية ليصبح وسيطاً نقدياً بين الذكاء الطبيعي والاصطناعي، يوازن بين بيانات الخوارزميات والتأويل الإنساني، ويُراجع النتائج الآلية ويُفسرها في سياقها الثقافي والاجتماعي، مع إدراك أن الإحصاءات وحدها لا تكفي لإثبات العلاقات السببية. كما يرسخ هذا التحول مبدأ الموثوقية المعرفية القائم على الاعتراف بالقيم والتعددية الثقافية، ويفتح المجال أمام العلوم الإنسانية لبناء نموذج تكاملي يقوم على الشراكة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بحيث تعزز التكنولوجيا القدرات البشرية، بينما تظل الحكمة والقيم وتحديد الغايات مسؤولية الفرد المبدع والجماعة الإنسانية المتلقية والصائغة.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية