دور الصراع حالياً حول الذكاء الاصطناعي في اجتماعات مجالس التخطيط العمراني المحلية. فقد تمت عرقلة أو تأجيل أكثر من 12 مشروعاً لإنشاء مراكز بيانات تعتمد على الذكاء الاصطناعي بسبب معارضة محلية، غالباً ما تكون مدفوعةً بمخاوف بيئية. وخلال الأسبوع الماضي، وقعت حاكمة نيويورك، كاثي هوتشول، أمراً تنفيذياً بوقف بناء أكبر مراكز البيانات في الولاية لمدة عام، وهو أول قرار من نوعه في البلاد.
ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب، في مارس الماضي، يعارض 71% من البالغين الأميركيين بناءَ مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في مناطقهم، وتُعد المخاوف البيئية السبب الأكثر شيوعاً.
ورغم تفهّم أسباب المعارضة البيئية لبناء مراكز البيانات، فإن الحجج ضعيفة، إذ إن الصراع الدائر حول مواقع بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي هو في حقيقته صراع حول الدور الذي يجب أن يلعبه الذكاء الاصطناعي في حياتنا. وهذه هي المعركة التي يستطيع منتقدوه كسبَها.
ويشعر كثيرون بأن حفنة من المليارديرات في قطاع التكنولوجيا تفرض عليهم الذكاء الاصطناعي، بطرق غير ملموسة تَصعب مقاومتها. أما مراكز البيانات، فهي منشآت مادية تخضع لقواعد تقسيم المناطق واستخدامات الأراضي. لذلك، من المنطقي أن يتجسّد الغضب والقلق من الذكاء الاصطناعي في صورة معارضة لمبانيه. فالأشخاص العاديون لا يستطيعون أن يملوا على سام ألتمان ما يفعله، لكن يمكنهم جماعياً أن يطردوا مشروعاتِه من مدنهم.
يجب أن تخضع مراكز البيانات للمعايير البيئية نفسها التي يخضع لها أي مشروع آخر. لكن وفقاً للباحث آندي ماسلي، فإن التخلي طوال العمر عن التفاعل مع نماذج اللغة الكبيرة سيُحدث فرقاً ضئيلاً للغاية في حجم الانبعاثات، مقارنةً بتجنّب رحلة جوية واحدة عبر المحيط الأطلسي أو التحول إلى سيارة هجينة. ووفقاً لتقديراته، فإن إرسال رسالة إلى «تشات جي بي تي» يستهلك من الكربون قدراً يقارب ما يستهلكه تشغيل مجفف ملابس لمدة ثانية واحدة فقط.
ولطالما تقبّلت المجتمعاتُ مشروعاتٍ مسرفةً تستهلك مساحات شاسعة، وتستنزف كميات وفيرة من الموارد الطبيعية، وتلبي رغبات الأثرياء. فقد استهلكت ملاعب الغولف، البالغ عددها 14 ألفاً في الولايات المتحدة، نحو 550 مليار غالون من المياه عام 2020، بينما تقدّر وكالة حماية البيئة أن الأميركيين يستخدمون أكثر من 3 تريليونات غالون من المياه سنوياً في ري حدائق منازلهم. ولا أحد يعرف على وجه اليقين إجمالي كمية المياه التي تستهلكها مراكز البيانات. لكن التقديرات تشير إلى أنها بلغت نحو 100 مليار غالون عام 2023. وحتى إذا زاد عدد مراكز البيانات عشرة أضعاف، فقد ينتهي بنا المطاف إلى استخدام مياه أقل للذكاء الاصطناعي مما نستخدمه لري عشب تلك الحدائق.
ويحق للجميع إبداء رأيهم في مستقبل الذكاء الاصطناعي، دون اللجوء إلى الرفض المحلي والحجج البيئية المشكوك فيها. وحتى إذا نجح مجتمع ما في منع إقامة مراكز البيانات على أراضيه، فإن مجتمعاً آخر أكثر فقراً وأشد احتياجاً سيفتح أبوابَه لها.وفي الحقيقة، يشارك الجميع الآن في وضع قواعد مستقبل الذكاء الاصطناعي وطريقة قيامه بوظائفه، وكيفية تفاعل البشر معه من خلال خياراتنا الشخصية والخيارات التي نمدح الآخرين أو ننتقدهم بسبب اتخاذها. وفي كل مرة تُفضي فيها بمشاكلك إلى برنامج «جيميني» أو تستخدم «كلود» لكتابة بطاقة تهنئة بعيد ميلاد، فأنت تُؤيد ضمنياً الذكاء الاصطناعي.
وقد يعتمد الكثيرون عن استخدام الذكاء الاصطناعي لأداء أعمالهم بصورة أفضل، والتحقق منها بمزيد من البحث، إذ يعتبرون الذكاء الاصطناعي مجرد أداة الغرض منها خدمة أهدافهم، وإذا نجح في ذلك، فقد يستحق ما يستهلكه من مياه وكهرباء!
وقد يبدو أن تأثير الأفراد في مستقبل التكنولوجيا مجرد فكرة مثالية، إلا أن التجارب السابقة أثبتت قدرتهم على تحديد مصير التقنيات الجديدة. فقد فشلت مشروعات تكنولوجية مكلِّفة، ليس لأنها حُظرت أو منعتها القوانين، بل لأن الناس لم يمنحوها الوقتَ والاهتمام. ومن غير المرجح أن يختفي الذكاء الاصطناعي، لكن الطريقة التي سيُستخدم بها والدور الذي سيؤديه في حياتنا يعودان إلينا.قد تمتلك شركات التكنولوجيا موارد مالية ضخمة، وقد تتمكن من تجاوز الاعتراضات البيئية على مراكز البيانات. لكنها لا تستطيع أن تملي على البشر كيفية استخدام الأدوات التي توفرها. وفي نهاية المطاف، سيتحدد دور الذكاء الاصطناعي في عالمنا ليس بما هو مسموح به قانونياً، بل بما هو مقبول اجتماعياً.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
*عالم وكاتب وباحث في علم النفس