طرحنا في ختام الحديث السابق سؤالاً ظلَّ معلَّقاً ينتظر جوابه: من يرعى الفكر ويحميه ويمدّه بأسباب الحياة؟ فالمؤسّسات التي رسمناها، من جامعة ومركز فكر ومنبر إعلامي، تبقى هياكل صامتة حتى تجد راعياً يبثُّ فيها الروح. والتاريخ يشهد أنّ نبوغ الأفراد يذوي سريعاً حين يفتقر إلى حاضنة تحمله وتُراكم عليه. وهنا يبرز دور الدولة الوطنية الراعية، الحاضنة الكبرى التي تصونُ الفكر وتُهيّئ له أسباب النماء. رعاية الدولة للفكر صميم رسالتها، وعنوانُ وعيِها بمصادر قوّتها.
تنهض هذه الرعاية على حدسٍ فلسفيٍّ قديم يربط الحكمة بالحكم، والعقل بالعمران. فأفلاطون في «الجمهورية» جعل صلاح المدينة رهناً بأن يتفلسفَ حُكّامُها، أو أن يُستشار الفلاسفةُ في شؤونها. وامتدَّ هذا المعنى إلى حضارتنا حين رسمَ الفارابي «المدينة الفاضلة»، وجعل رئاستها لمن يجمعُ بين كمال العقل وحسن التدبير. وتلتقي الرؤيتانِ عند حقيقةٍ راسخة: الدولة التي تُكرمُ الفكر تُجسّد صورة العقل في اجتماع الناس، فتصير الحكمة روح سياستها ومنار قرارها.
ويُصدّق التاريخ هذا الحدس بشواهد ساطعة، فكل حضارة ازدهرت قامَ خلفها راعٍ أكرمَ العلم وأهله. احتضن العباسيون «بيتَ الحكمة» فترجموا علوم الأمم وأنتجوا فوقَها، وامتلأت خزائنُ قرطبة بمئات الألوف من المجلّدات في عزِّ الأندلس. وبرزت فلورنسا مثالاً باهراً حين رعت أسرة مديتشي فنونها وفكرها، فأنشأ كوزيمو أكاديميةً أفلاطونيةً وكلّفَ مارسيليو فيتشينو بترجمةِ أفلاطون إلى اللاتينية. ومن تلك المدينة الصغيرة انبثقَ فجرُ النهضة الأوروبية، فأضاءَ القارّة بأسرِها، شاهداً على أنّ رعاية الفكر تصنعُ التاريخ.
تكشفُ هذه الرعاية عن معدن الدولة وعُمق وعيِها بذاتها، فالاستثمار في الفكر سِمة الدولة الواثقة الناضجة صاحبة الرؤية. الدولة الخائفة تنكمشُ على نفسها وتتوجّس من كلِّ سؤال، أما الواثقة فتفتح للعقل آفاقه وتأمنُ إلى حريته. ورعايةُ النشاط الفكري والتنوير دليل نضجٍ يتجاوز حسابات اللحظة إلى أفق الأجيال. ومن يرعى العقل إنّما يُعلن أنّه يملك من الثقة ما يجعله فوق الخوف من نتائجه.
ترتقي الدولة الراعية للفكرِ إلى مقامٍ رفيع في صناعة المشهد العالمي، إذ تمتدُّ آثارها عبر الحدود بجاذبية ثقافتها وأفكارها. عبَّرَ جوزيف ناي عن هذا المعنى بمفهوم «القوّة الناعمة»، تلك القدرة على بلوغ الغايات بالجذب عوضاً عن الإكراه. فالدول التي تُنتج المعنى وتُصدّر القيم تكسبُ من النفوذ ما يعجزُ السلاح عن كسبِه، وتفرضُ حضورها في وجدان العالم قبل خرائطه. وحينَ يسأل الناس عمّن صاغ الوعي، تعلو رواية من رعى الفكر فوق سواها.
وتقتضي هذه الرعاية توازناً دقيقاً يصون حرية الفكر ويحفظ استقرار الاجتماع، فتُطلق الإبداع في مناخٍ آمن من دون وصايةٍ تخنقه أو فوضى تُبدّده. فالحرية المسؤولة في كنف دولةٍ مستقرّة تُثمر فكراً حيّاً يخدم وطنه ويحترم خصوصيّته. وتقدّم تجربة الإمارات نموذجاً معاصراً لهذا التوازن، برعايتها للمشاريع والمبادرات الفكرية والثقافية، واحتضانها لقيم التنوير والاعتدال والأخوّة الإنسانية خياراً واعياً. تلك التجربة تُثبت أنّ رعاية الفكر خيارٌ ممكنٌ ومثمر، يجمعُ بين الأصالةِ ورحابة الأفق.
يتّضح في خِتام القول أنّ الدولة الراعية هي مهدُ الفكر وحصنه، وأنّ رعايتها استثمارٌ في المناعةِ والنهوض والحضور العالمي معاً. فحين تحتضنُ الدولة عقول أبنائها، تُطلق طاقةً خلّاقة تعودُ عليها عزّاً ورفعة، ويستنير بها حاضرها ومستقبلها. تبقى بعدَ ذلك حقيقة تفرضُ نفسها: المؤسّسات والرعاية تظلُّ هياكل حتى يحملها إنسانٌ يستحقُّ الأمانة. مَن هذا الذي يحمل المشعلَ ويصونُ الجذوة؟ ذلكَ ما يقودُنا إلى المثقف الفيلسوف، موعدنا في الحديث المقبل.
*كاتب إماراتي