إنّ قضية الهويات العابرة للحدود تتصل اتصالاً مباشراً ببنية الدولة الوطنية وبقدرتها على حماية اجتماعها السياسي، إذ يعمل المشروع العابر للحدود على نقل مركز الانتماء من الوطن إلى الأيديولوجيا، ومن الدولة إلى التنظيم في الخارج، ومن المصلحة الوطنية إلى مصلحة محور إقليمي، حتى ينظر الفرد مع مرور الوقت إلى دولته على أنها مكان للإقامة، بينما يستمد المعنى والشرعية والقرار من مشروع خارجي عابر للحدود.
ويقدِّم المشروع الإيراني أبرز النماذج المعاصرة لهذا النمط، فقد جاءت الثورة الإيرانية بخطاب دمج العقيدة بالدولة، إذ أقرّ الدستور تصوّراً أممياً للثورة، وربط القوات المسلحة والحرس الثوري بمهمة عقائدية تعمل على صناعة مليشيات تابعة له خارج إيران، فرسّخت إيران في بنيتها الدستورية مشروعاً عابراً للحدود.
وانطلاقاً من ذلك، تعاملت طهران مع بعض الدول العربية باعتبارها مجالاً مفتوحاً للتمدد والاستيلاء، إذ أنشأت جماعات مذهبية وأخرى متطرفة في البلاد العربية والإسلامية أحكمت السيطرة عليها بالتمويل والتسليح والتدريب والتعبئة العقائدية حتى نزعت منها استقلال القرار وربطت مصيرها بطهران، وأضحت تابعة لها في الفكر والقرار، لا ترى إلا بعينها، ولا تتحرك إلا بإرادتها، فأصبح ولاؤها لإيران يسبق كل ولاء، وأضحت تنفّذ أجندتها، فصار هؤلاء أسرى لإيران عقلاً وولاءً.
لقد أفضى هذا المشروع الاستيلائي إلى اختطاف الهوية، وإعادة تشكيل الوعي، حتى آل الأمر إلى مشاهد تأباها العقول وتنفر منها الفِطرُ السليمة، ويعجز العقل عن استساغتها، ويضيق المنطق عن حملها، فترى من يدّعي العروبة والوطنية، يرفع علم إيران بحماسة تفوق الوصف والخيال، ويطوي علم وطنه، ويحتفي برموز الشر، ويدافع عن سياساتها الملتوية وأجندتها المتطرفة، ويُلقي بمصالح بلاده في أتون الخيانة والخداع، ويَعُدُّ كل نقد يوجّه إلى إيران استهدافاً لشرفه – إن كان لديه شرف!– بل هو عدوان على الإسلام نفسه، ويَعدُّ الانتصار لإيران انتصاراً للعقيدة والدين ! ويجعل وطنه قرباناً لمشروعها التوسعي! أي منطق يبرّر هذا الهوان، وأي دين يجيز المتاجرة بالولاء؟ إنه منطق التبعية الذي تصنعه الأيديولوجيا والدوغما، يتراجع فيه اعتبار الوطن حتى يغيب عن الضمير. العَلَم رمز السيادة وعنوان الهوية، فإذا تقدم علم دولة ما على علم الوطن، فقد اختُطفت الهوية، وتلاشى الانتماء، ولم يبق إلا جسد خائن يُنسب إلى الوطن زوراً وبهتاناً.
يستند هذا الاختطاف إلى مشروع متكامل لتفكيك الهوية الوطنية، وإحلال ولاءات مذهبية عابرة للحدود محلّها، عبر توظيف التشيُّع السياسي لترسيخ الولاء للولي الفقيه، وتعطيل اندماج الشيعة العرب في أوطانهم، وتهميش النُّخب الشيعية الوطنية، وإثارة الهويات الفرعية، واستثمار خطاب المظلومية والتعبئة الرسالية تحت شعارات حماية المستضعفين ونصرة فلسطين، ورغم الشعارات الصاخبة، تبقى إيران من أكذب الدول ادّعاءً لنصرة فلسطين، إذ تحوّلت القضية في خطابها إلى أداة للتعبئة والحشد، وفي سياساتها إلى وسيلة لتوسيع النفوذ وخدمة مشروعها الإقليمي.
لقد امتدّ هذا النّهج إلى احتواء بعض الحركات، مثل «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، تحت شعارات «المقاومة» والقدس، لتصبح جزءاً من مشروع تصدير الثورة الذي تعدّه إيران ركيزةً من ركائز أمنها القومي ونفوذها الإقليمي.
تقوم صناعة هذه الهويات على تحويل السياسة إلى عقيدة، والولاء للولي الفقيه إلى فرض ديني، حتى يصير الاعتراض عليه خروجاً على الدين، والأفظع من ذلك تحريف الدين بحيث ينفصل عن الهوية الوطنية ويصبح في خدمة المشروع الاستيلائي الإيراني، وتبرير حمل السلاح على الدولة، وتوسيع النفوذ، وإنشاء مؤسسات تعليمية واجتماعية وإعلامية موازية، تغرس رموزاً وذاكرةً مختلفة، وتُعيد تشكيل الوعي بعيداً عن الهوية الوطنية.
أيها العربي، ما عرف العالم العربي مشروعاً ألحق ببعض أوطانه من الخراب والتمزيق مثل المشروع الإيراني، ولا دولة جعلت من زعزعة استقرار بعض الدول العربية، واختراق هويتها، وتمزيق نسيجها الوطني، ركيزةً في سياستها كما فعلت إيران.
أيها العربي، اعلم أن دولتك هي حصنك الأول والأخير، فإذا انتُزعت منك هويتك الوطنية، وانتقل مركز ولائك إلى خارج حدود دولتك، فلن تكون إلا أداةً في مشروع يهدم وطنك، وسلاحاً يُوجَّه إلى صدور أهلك وإخوانك، وأنت تظن أنك تحسن صنعاً!!أيها العربي اجعل ولاءك لوطنك، ورايتك راية وطنك، واجعل مصلحة وطنك الميزان الذي تزن به مواقفك. لا تُسلّموا أوطانكم لإيران، فقد آن أوان الخلاص من هذا المشروع الذي مزّق الأوطان، وأشعل الفتن، ولا تكونوا مطيّة للمشروع الفارسي، ولا أدواتٍ تُستغل لهدم أوطانكم بأيديكم.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.