نجحت حملة ضغط واسعة في الولايات المتحدة الأميركية جرت مطلع تسعينيات القرن الماضي في إبقاء المكملات الغذائية خارج نطاق الرقابة. فبعد ضغوط مكثفة، قادتها شركات تصنيع المكملات، أقر الكونجرس عام 1994 قانوناً أعفى تلك المنتجات من الخضوع للإجراءات المفروضة على الأدوية، فلم يعد مطلوباً من الشركات إثبات سلامتها وفعاليتها عبر التجارب السريرية قبل طرحها في الأسواق.

وازدهرت صناعة المكملات لتصل قيمتها حالياً إلى نحو 70 مليار دولار، وتضم منتجات تستند إلى أدلة علمية، وأخرى تُسوق لادعاءات غير مثبتة، مثل تحسين التمثيل الغذائي أو بناء العضلات أو تعزيز وظائف الدماغ. وغالباً لا يعرف المستهلكون حقيقة مكوناتها أو مدى فعاليتها، فيما تشير دراسات إلى أنها تتسبب في آلاف الزيارات إلى الطوارئ سنوياً، كما تُعد من الأسباب الشائعة لتلف الكبد. الآن، بات بإمكان الببتيدات التجريبية، وهي مواد كيميائية غير مثبتة الفعالية تتكون من سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية، الحصول على حماية مماثلة بتجاوزها فعلياً مراجعة إدارة الغذاء والدواء الأميركية الكاملة قبل تسويقها على أنها تُحسن الصحة.

ولم تصمم إدارة الغذاء والدواء لمواكبة تحديات هذا العصر الذهبي للهوس بالصحة والعافية، مع انتشار أدوية مثل أوزمبيك وازدهار خدمات التطبيب عن بُعد، وبيع الببتيدات التجريبية عبر الإنترنت، وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي. لكن الإدارة تعتبر جهة الحماية الوحيدة بين المستهلكين وسوق فوضوية. ومنذ أيام، صوتت لجنة استشارية تابعة لإدارة الغذاء والدواء لصالح تسهيل الوصول إلى ستة أنواع من الببتيدات غير المعتمدة، بعدما عين وزير الصحة الأميركي روبرت إف. كينيدي الابن ثمانية أعضاء جدد في اللجنة، كان لستة منهم ارتباطات بقطاع الببتيدات. ورغم أن توصيات اللجنة غير ملزمة، فإن الإدارة غالباً ما تعتمدها، ما قد يسمح لصيدليات تحضير الأدوية بإنتاج هذه المركبات وبيعها بصورة قانونية. ولم يقتصر الاجتماع على مناقشة الببتيدات فحسب، بل كان بمثابة استفتاء حول كيفية الموازنة بين الطلب الاستهلاكي المتغير والأدلة العلمية. إذ يتزايد عدد الأميركيين الراغبين في نظام يُساعدهم على عيش حياة طويلة وصحية ويتجهون إلى خيارات علاجية تتجاوز الحدود التقليدية. بينما يرى خبراء أن توسيع دور صيدليات تحضير الأدوية قد يتيح تداول منتجات لم تثبت سلامتها أو فعاليتها، ويحرم الجهات التنظيمية من البيانات اللازمة لتقييمها.

وتُنتج الببتيدات طبيعياً داخل جسم الإنسان، فيما تُستخدم نظائرها المصنعة منذ سنوات في الطب، حيث يُعد الإنسولين وأوزمبيك من الببتيدات المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية بعد اجتيازهما لعقود تجارب سريرية واسعة أثبتت سلامتهما وفعاليتهما. لكن الوضع يختلف بالنسبة للببتيدات الستة التي أوصت اللجنة بتوسيع استخدامها، إذ تفتقر إلى أدلة سريرية كافية، وتنتشر بالفعل في الأسواق الرمادية والسوداء، وأغلبها يُسوق عبر الإنترنت على أنه مخصص للأبحاث.

ويروج لها مؤثرون وبعض الأطباء لاستخدامات بدءاً من إنقاص الوزن وتقليل التجاعيد وصولاً إلى إطالة العمر. وقبل اجتماع اللجنة، أوصى علماء «هيئة الغذاء والدواء» بعدم توسيع استخدامها بسبب نقص الدراسات على البشر، محذرين من صعوبة ضمان جودة تصنيعها، فضلاً عن احتمال أن يعزز أحدها، وهو ببتيد إبيتالون، نمو الخلايا السرطانية نظرياً. ورغم التحذيرات، أيدت غالبية أعضاء اللجنة إتاحتها.

ودافع مسؤولون في شركات تعمل في هذا المجال عن القرار، معتبرين أن ضعف الأدلة لا يعني غيابها، وأن الطلب على تلك المنتجات قائم بالفعل، ومن الأفضل توفيرها عبر صيدليات مرخصة بدلاً من ترك المرضى يلجأون إلى الأسواق غير القانونية. ويتوافق هذا التوجه مع موقف وزير الصحة روبرت إف. كينيدي الابن، الذي أعلن تأييده للببتيدات وأعرب عن رغبته في إتاحتها من خلال موردين موثوقين. وفي حين يجلب هذا المسار أرباحاً هائلة للشركات، يُعرض أيضاً بعض المرضى لمخاطر صحية، لاسيما وأن صيدليات تحضير الأدوية ليست ملزمة بالإبلاغ إلى هيئة الغذاء والدواء عن الآثار الجانبية لهذه المنتجات، ما قد يؤدي إلى عدم رصد أضرارها بصورة كافية. وللحد من تلك المخاطر، يمكن للمعاهد الوطنية للصحة التدخل ودراسة كل دواء على حدة. أو يمكن لشركات الببتيدات إجراء أبحاث عليها ثم التقدم للحصول على موافقة رسمية من إدارة الغذاء والدواء الأميركية. ويبدو أن عدم قيامهم بذلك بمثابة اعتراف ضمني بأنها على الأرجح لن تكون فعالة.

وقد استشهد أعضاء اللجنة الاستشارية الذين صوتوا لصالح الموافقة على الببتيدات مراراً بالطلب الشعبي، كما فعل مؤيدو المكملات الغذائية في التسعينيات.إلا أن بيتر لوري، الرئيس السابق المساعد لهيئة الغذاء والدواء والرئيس الحالي لمركز العلوم للمصلحة العامة، يرى أن هذا النهج يهدد أسس نظام اعتماد الأدوية، إذ يعني أن أي منتج يحظى بطلب واسع، حتى لو انتشر بطرق غير قانونية، قد يدفع الهيئة إلى التغاضي عن معاييرها العلمية.

*كاتبة ومؤلفة كتاب «ذكاء الغذاء».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»