وُضعت أُسس النظام التعليمي في الهند عام 1696 على يد أحد نبلاء بلاط الإمبراطور المغولي، وذلك بتأسيس مدرسة غازي الدين خان في دلهي، حيث كانت تُدرس مواد التاريخ والجغرافيا والرياضيات إلى جانب اللغة العربية والعلوم الإسلامية. وعندما استعمر البريطانيون الهند، أغلقوا هذه المؤسسة، ثم أعادوا افتتاحها لاحقاً تحت اسم «الكلية الأنجلو-عربية الشرقية».
وفي عام 1925 غيروا اسمها مرة أخرى إلى «كلية دلهي». وخلال المراحل الأولى من حركة الاستقلال، تعاون قادة الهندوس والمسلمين والمسيحيين على إنشاء كليات وجامعات للتعليم العالي في العلوم الحديثة، مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والطب والهندسة وغيرها. وبعد تشكيل مجالس استشارية ضمّت نخبة من العلماء الهنود المتخصصين في العلوم الحديثة، وإعداد مناهج بحثية قوية، بدأت هذه الكليات والجامعات في تعليم الشباب. وخلال ثلاثين عاماً، بدأ الشباب الهنود يُظهرون مستويات عالية من الكفاءة في مختلف التخصصات.
وعقب الاستقلال، امتلكت الهند أعداداً كبيرةً من الكوادر المؤهلة القادرة على إثبات كفاءتها في معظم المجالات، ولا سيما الطب والهندسة. وخلال مرحلة ما بعد الاستعمار، شهدت البلادُ هجرةً واسعة للأطباء وأعضاء الهيئات التدريسية والأساتذة الجامعيين والكوادر الطبية والهندسية إلى أوروبا وأميركا الشمالية وأفريقيا وشبه الجزيرة العربية.
وحظيت الكوادر الهندية المتعلمة بتفضيل في الخارج، نظراً لكفاءتها العالية ومستوى تعليمها المتميز، فضلاً عن التزامها بالقانون واحترامها للسكان المحليين وإخلاصها للمجتمعات. وقد أكسبها التزامها بعدم التدخل في شؤون الآخرين مكانةً مرموقة، كما ساهم أفرادها بصدق في تقدم وازدهار البلدان التي أقاموا فيها.
وكان العامل الأساسي وراء ذلك نظامٌ تعليمي قوي، وقيم هندية راسخة، وتقاليد شرقية أصيلة. وخلال 50 عاماً، استفاد جيلان بعد استقلال الهند من إنشاء مؤسسات تعليمية عليا متميزة ومتخصّصة، مثل معاهد التكنولوجيا والإدارة والهندسة الحيوية وتكنولوجيا المعلومات والفيزياء النووية وأبحاث الفضاء والعلوم الطبية. وسرعان ما أحرز الشبابُ الخريجون من هذه المعاهد سمعةً مرموقة، حيث أدركت شركات التكنولوجيا الغربية والمستشفيات والجامعات، التي تحرص على استقطاب المواهب الشابة، أن الهنود مجتهدون وأذكياء ومهنيون، ويتمتعون بقاعدة تعليمية متينة، ويمكنهم المساهمة في دفع عجلة الابتكارات المحلية. فبدأت المؤسسات باستقطابهم برواتب مجزية ومزايا عديدة، مما أدى إلى هجرة جماعية للعقول الهندية إلى الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة، بفضل النظام التعليمي القوي، والمناهج الدراسية المُعدة بعناية، وحرية البحث العلمي في المعاهد المتميزة.
وتعاقبت الحكومات على الهند طوال تلك العقود، لكن النظام التعليمي الذي تأسّس بعد الاستقلال ظل مستمراً في نجاحه، وبفضله وصل عدد من الهنود، أو المنحدرين من أصول هندية، إلى قيادة شركات عالمية مثل «مايكروسوفت» و«غوغل» و«آي بي إم» و«أدوبي» و«يوتيوب» وغيرها. ووصل حزب «بهاراتيا جاناتا»، المنبثق عن منظمة «راشتريا سوايام سيفاك سانغ» اليمينية ذات الخلفية الدينية، إلى السلطة عام 2014. ورغم عدم التدخل المباشر لقيادات المنظمة في إدارة الحزب، فقد تم تعيين بعض كوادرها في مناصب وزارية، لا سيما وزارتي التعليم والثقافة.
ومؤخراً احتج طلاب هنود على تسريب أوراق الامتحانات، وطالبوا باستعادة الجودة العالية السابقة، وباعتماد نظام امتحانات جديد أكثر نزاهة. وقد استجابت الحكومة لمطالب المحتجين، فانتصرت الحكمة، واستقال وزير التعليم، وأنهى الطلاب احتجاجاتهم.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي.